أرسلت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مؤشراً إضافياً إلى عدم استعجالها إيجاد حل سياسي للأزمة اليمنية، بتحذيرها مجلس الشيوخ من التصويت على مشروع قرار يدعو إلى وقف دعم الولايات المتحدة لعمليات «التحالف» الذي تقوده السعودية. تحذير ترافق مع هجوم متجدد على إيران من بوابة اليمن، بما يستبطن اعتزام واشنطن الاستمرار في تجيير النزيف المتواصل في هذا البلد، لصالح تصعيدها المتواصل ضد طهران. إزاء ذلك، تبدو فرص نجاح الجولة الأولى للمبعوث الأممي الجديد إلى اليمن، مارتن غريفيث، والتي تبدأ الأسبوع المقبل، ضئيلة إلى حد بعيد.

وأظهرت رسالة وُجّهت، هذا الأسبوع، من وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، إلى قادة في الكونغرس، دعوته الأخيرة إلى «عدم المساس» بالتزام الولايات المتحدة دعم عمليات «التحالف». ونبّه ماتيس، بحسب الرسالة، إلى أن «أي قيود جديدة على الدعم العسكري الأميركي المحدود يُمكن أن تزيد الخسائر المدنية، وتُعرّض للخطر التعاون ضد الإرهاب مع شركائنا، وتحدّ من نفوذنا على السعوديين، وكل ذلك من شأنه أن يزيد من تفاقم الوضع والأزمة الإنسانية». موقف يشي بخشية إدارة ترامب من أن يسلك «مشروع لي - ساندرز» (تقدم به السناتوران بيرني ساندرز ومايك لي) سبيله إلى التأييد داخل مجلس الشيوخ، الذي يُفترض أن يصوت على المشروع الأسبوع المقبل، خصوصاً أن المقترح، الذي شارك في إعداده أيضاً السيناتور كريس مورفي، يحظى بتأييد عابر للاطفافات الحزبية (من الديمقراطيين والجمهوريين على السواء).
لكن مشروع القانون، الداعي إلى تفعيل بند في قانون قوى الحرب (لعام 1973) يلزم الرئيس بالعودة إلى الكونغرس في أي عمل عسكري، تتهدده عقبات أخرى، لعلّ أهمها تقدم السناتورين تود يونغ وجين شاهين بمقترح بديل، يطلب من وزارة الخارجية المصادقة، ضمن مهل محددة، على التزام السعودية بالعمل على إنهاء الحرب وتخفيف الأزمة الإنسانية. وهو ما يرى فيه مؤيدو المشروع الأول «مجرد إجراء تكتيكي يتيح مواصلة الحرب إلى أجل غير مسمى، ويمنع الأوكسجين عن مشروع لي - ساندرز». ويعتقد هؤلاء، وفقاً لما ذكره موقع «المونيتور»، قبل أيام، أن ثمة «مؤامرة بين يونغ وشاهين وبين زعيم الأغلبية الجمهورية، ميتش ماكونيل، من أجل تخريب عملية التصويت على مشروع لي - ساندرز».

أعلنت السعودية توقيع اتفاق بشأن وديعة المليارَي دولار


المشروع الأخير أعاد ماتيس، أمس، التحذير منه، في تصريحات إلى الصحافيين أثناء عودته إلى واشنطن، حيث اعتبر أن وقف الدعم الأميركي لـ«التحالف» لن يؤدي سوى إلى «جعل إيران تدعم الحرب بشكل أقوى، من خلال تنفيذ ضربات صاروخية باليستية جديدة ضد المملكة السعودية، وتهديد ممرات بحرية حيوية، مما يؤدي إلى زيادة خطر (نشوب) صراع إقليمي». تصريح رأت فيه حكومة الإنقاذ محاولة من قبل الولايات المتحدة لـ«نقل مشاكلها مع إيران إلى اليمن، واستخدامه مسرحاً لحروبها». وفي تعليقه على قول ماتيس إن إيران تجرّب أسلحتها في اليمن، ذكّر مصدر في وزارة خارجية «الإنقاذ»، في تصريح نقلته وكالة «سبأ» الرسمية، بأن أميركا وبريطانيا كانتا سبّاقتين في «تجربة أسلحتهما المحرمة دولياً، وأسلحة الدمار الشامل في اليمن، منذ الساعات الأولى للعدوان». ووصف المصدر تصريحات الوزير الأميركي بـ«المفضوحة»، لافتاً إلى أنها «تأتي في سياق معروف قبل زيارة ولي العهد السعودي، تمهيداً لمزيد من عقود السلاح»، داعياً الإدارة الأميركية إلى «التوقف عن صب الزيت على النار»، و«ترجمة تصريحاتها بشأن السلام إلى واقع عملي».
دعوة لا يظهر أنها ستلقى آذاناً صاغية، في ضوء تصريحات ماتيس الذي ختم تشجيعه السعودية على المضي في حربها بعبارات موارِبة، وصف فيها الوضع الحالي بأنه «مواتٍ لحل الأزمة اليمنية تحت رعاية الأمم المتحدة»، مشيراً إلى «(أننا) نحتاج إلى اتفاق تفاوضي، ونعتقد أن السياسة الحالية صحيحة، وهذا هو جوهر رسالتي». هذه الرسالة المتناقضة والمراوِغة لا يبدو، بحال، أنها تحمل دفعاً لجهود المبعوث الأممي الجديد، الذي يُفترض أن يبدأ جولته الأسبوع المقبل بزيارات تشمل اليمن والسعودية والإمارات ودولاً أخرى، على أن ينتقل لاحقاً إلى سويسرا حيث يشارك في مؤتمر الدول المانِحة لليمن في 3 نيسان/ أبريل المقبل. والتقى غريفيث، أمس، في نيويورك، مندوبَي السعودية والإمارات الدائمَين لدى الأمم المتحدة، عبد الله المعلمي، ولانا نسيبة، بعدما كان اجتمع بمندوب اليمن لدى المنظمة الدولية (التابع لحكومة الرئيس المنتهية ولايته عبد ربه منصور هادي)، خالد اليماني.
وفي انتظار وصول غريفيث إلى المنطقة، تكثّف السعودية خطواتها ذات الطابع «الإنساني»، في محاولة لاستثمار انبعاث النشاط الأممي لصالحها. وبعد تأخير استمر قرابة شهرين منذ الإعلان عنها، أفيد، أمس، عن التوقيع على اتفاق لإيداع مليارَي دولار في حساب البنك المركزي اليمني، الذي يعيش تدهوراً غير مسبوق في ظل عجز عن صرف رواتب الموظفين. وذكرت وكالة الأنباء السعودية الرسمية أن الاتفاق، الذي وقعه وزير المالية السعودي محمد الجدعان، ومحافظ البنك المعين من قبل هادي، محمد زمام، «يأتي امتداداً لدعم المملكة للشعب اليمني، ليصبح مجموع ما تم تقديمه كوديعة للبنك المركزي ثلاثة مليارات دولار». وعلى الرغم من أن هذا الإعلان أدى إلى ارتفاع سعر صرف الريال اليمني أمام الدولار، إلا أنه من غير المعلوم ما ستؤول إليه الوديعة الجديدة، وما إذا كانت ستلاقي مصير سابقاتها.