كيف تنسى أصدقاءك الموتى


لا تمرّ في الشوارع التي تُعلَّق فيها صور الشهداء واللافتات المرحِّبة بالمعزّين الكرام والحافلة بأخطاء إملائية فاضحة. ابتعدْ عن تلك الشوارع العريضة التي تُنصَب خيام العزاء فيها، اتخذ سبيلاً آخر، جرّب الأزقّة الضيقة والشوارع الفرعية، اقتنِ سيارة مثلاً وسرْ بسرعة، اطرق في الأرض ولا ترفع رأسك حتى تصل إلى وجهتك النهائية، أو ببساطة ضعْ نظارةً سوداء لا تسمح للآخرين برؤية عينيك، وبالتالي لا يستطيعون تبيان عينيك الدامعتين إذا ما لمحت صورة لرجل كنت معه على مقعد دراسة واحد، واليوم أصبح شاهدة قبر فقط، أو إذا قرأت اسماً لرفيق آخر على ورقة على الجدار. لكن تلك النظارات للأسف لن تخفي رجفان قلبك وبكاء روحك. لذا، ابتعد، تشاغل بالتدخين، بترنيمة شعبية، بمطر وهمي ينزل على رأسك في تموز، ضع يديك على رأسك كمن يتقي وابلاً حجرياً واركض.

كيف تستعيد قميصاً كنت قد أعرته لشهيد

انتظرْ في العتمة، على زاوية الزقاق الذي يفضي إلى البيت، حتى يؤوب الحزانى إلى نومهم المتعثر، ويغلق الوالد باب الخيمة بكرسي مقلوب. لا تنتظر كثيراً بعدها، ذلك أنهم سينامون سريعاًَ من القهر لا من التعب. تقدّمْ ببطء صوب البيت، داعب بيدك الحبق المزروع في علبة سمنة فارغة، افرك أوراقها كما لو كانت شعر ابنتك الصغيرة، ثم ادفع الباب الخشبي المطعّم بصفائح التنك، وادخلْ الباحة الإسمنتية بهدوء، انتبه لئلا توقظ ثمرات شجرة «الاكي دنيا» الوحيدة... اختر الغرفة الأكثر إضاءة أو ذات النافذة المكسوة بستارة خفيفة، هذه ستكون غرفته دون ريب، ذلك أن رائحته لا تزال تضيء جوف الغرفة، وروحاً حرّة مثل روحه لا تحتاج لستائر كثيفة، ادفع الباب وادلفْ بحذر، ستجد خزانة متداعية بمرآة بحجم طولي كبير على واجهتها، لونها غريب بعض الشيء، بنية داكنة بدهان متقشّر وسحجات متعددة. هذا هو هدفك، لكنك للأسف لن تجد قميصك المشجّر الذي أعرته له منذ شهر ليذهب به إلى موعد غرامي، ذلك أنّ والدته وضعته على وسادتها وغفت، حالمة بالجنّة التي يسكن ابنها الآن.

كيف تكفّ عن كتابة المراثي

لا تتابع الأخبار اليومية. اختر يوماً في الأسبوع، وليكن يوم الجمعة مثلاً، لقراءة الموجز القصير لما حدث خلال الأيام الستة الماضية. ابتعدْ عن كتب السياسة والجرائد اليومية ونشرات الأخبار، اخترْ كتباً مسلية، وأنصح هنا بروايات عبير أو مغامرات اللص الظريف. اخترْ كتباً تتحدث عن أنواع الورود في جبال منسية في تنزانيا مثلاً، أو عن أعلى الشلالات، أو عن أنواع السلاحف البحرية، كتاباً علمياً أو كتاباً سخيفاً يتحدث عن أي شيء إلا الموت المجاني، وعندما تبدأ بالكتابة، جرّب الابتعاد عن صيغة الماضي، إنّ لكلمة «كان» فعلاً قاتلاً في القلب، قل يكون أو سيكون، لا تقل مثلاً: لقد تناول كأس عصيره الأخيرة ثم صعد إلى المحرس وأتته الرصاصة. قل: سيتناول كأس شرابه بمتعة وانتشاء، وسيرى ابنته الوليدة غداً في الإجازة. دعك من هذا... اكتبْ عن فراشات ذات أجنحة خشبية تغيّر طعم الهواء إذا رفرفت، عن عصافير تغرد بلغات منسية، عن جبال تحترق بصمت وقرى ترتعش... يبدو أنك لن تكفّ عن ذلك، حسناً اكتب قليلاً من المراثي ولتبدأ بمرثية نفسك التي تنقص وتتضاءل كلما وصل جثمان من هناك، كلما صرخت روح.

كيف تصبح سعيداً في حرب أهلية

لأكون صريحاً معك، لن تصبح سعيداً أبداً إلا إذا كنت ميتاً، لكنك طالما أنت هنا، في جحيم هذه الحرب، وتتابعها ساعة بساعة وجثة بجثة وقذيفة تلو الأخرى، فلن تسعد أبداً، تستطيع أن تلتقط نتفاً من الفرح السريع الذوبان، كأنه ندف ثلج ما إن تحاول القبض عليه حتى يختفي، مخلفاً أثراً خفيفاً من البلل والبرودة، مثلاً: أن تحظى بمقعد فارغ في السرفيس في يوم شديد المطر، أن تتناول فنجان قهوة ساخناً من بائع مقابل مبنى البلدية الجديد الأشبه بوحوش كاميرون، أو أن تشتري قطعة كرواسان بالشوكولا ساخنة من الحاج أبو حمزة في زاوية الشيخ ضاهر، وأن يعطيك معها منديلاً ورقياً، فتمسح بالتالي النثار المقرمش من على شفتيك، أو ربما قبلة سريعة من صديقتك في مقهى منزو في حيّ المشاحير، أو ملامسة ركبتها العارية عرضاً وأنت تتصنّع الانحناء لالتقاط شيء ما أوحيتَ بأنه سقط. ربما المبالغة بالانتشاء في سهرة مرتجلة، في مطعم على طريق دمسرخو، والغناء بصوت شجي «خلاص مسافر» ثم الارتماء في أحضان جارتك، خالطاً رغبتك في تقبيلها بحاجتك لإخفاء دموعك، وهكذا وهكذا تلملم قطعاً صغيرة من الفرح المنضبط يمكّنك في نهاية اليوم أن تقول: حصلتُ على نصف غرام من الفرح في ذاكرتي مقابل أطنان الحزن التي تختزنها، أكثر من ذلك لا تفكر أبداً في السعادة.

كيف تنشئ من هذا الحطام حياة

عندما تستيقظ في الصباح، لا تفكر في ليلتك السابقة، لا تذكر كم أنّبت نفسك لوجودك حياً في مدن تتداعى، تفقد يديك وقدميك وأعضاءك الأخرى، تأكدْ من وجودها في أماكنها، لا تغتسلْ أو تأخذ حماماً سريعاً، ما من ماء أصلاً يكفي لغسل كوابيسك، اكتف برشقات باردة لتمسح النعاس عن أجفانك، اصنعْ قهوتك بهدوء، اخترْ فنجانك المفضل، حتى لو كان مثلوماً، حتى لو لم يبقَ منه غير نصفه، اسكبْ قهوتك أو ما يشبه قهوتك، وتناولها برشفات سريعة كمن لديه عمل لا يمكن تأجيله، لا بأس بسيجارة أو اثنتين من هذا التبغ الرديء. ارتدِ ملابسك القديمة نفسها، لقد حال لونها قليلاً، لكنها ما زالت صالحة لستر خوفك، جواربك المرتيّة بخيوط مختلفة الألوان، حذاءك المهترئ، وانزل الدرج المتآكل إلى الشارع... لا تقف أمام صور الشبان بلباس الجيش، لا تقف لقراءة النعوات الجديدة، لا تنظر إلى الحفر التي خلفتها قذائف البارحة، اخترْ أبعد مقبرة يمكن أن تصل إليها، واجلس في ظل شجرة هناك، وغنِّ بأقل صوت ممكن، بحيث لا يسمعك غير الموتى الراقدين تحت الأرض: أنتو الأحبة وألكن الصدارة.