مع بداية الصراع في سوريا، راجت تحليلات كثيرة اعتبرت ما يجري فيها مؤشراً على مرحلة جديدة من تاريخ منطقة كانت مفتوحة منذ أكثر من قرن على التدخلات الدولية العسكرية والسياسية، وأصبحت دينامياتها الداخلية السياسية عاملاً حاسماً في تحديد مصائرها ومستقبلها.

ذهب البعض إلى حد اعتبار المنظور الجيوسياسي قاصراً عن فهم الأحداث والتطورات، وأنّ هناك حاجة إلى نموذج إرشادي جديد، يرى في الديناميات الداخلية أساساً لفهم ما يجري وجلاء كنه دوافع الفاعلين الاجتماعيين معطوفة على مفاهيم مركزية مثيل التوق إلى الحرية والديموقراطية والدفاع عن الكرامة الإنسانية. كانت هذه التطلعات مولدة حركة التحرر العربية في صراعها مع الاستعمار، إلا أنها كانت تستند أيضاً إلى رؤية جيوسياسية تربط معركة الاستقلال من التبعية وسياسات السيطرة الاستعمارية، بمعارك التغيير السياسي والاجتماعي الداخلي.
إن السرديات «الثورية» الأولى لم تسع إلى الفصل التعسفي فحسب بين التطورات الداخلية، واستهداف سوريا من القوى الدولية، وإنما هي حاولت أيضاً توظيف هذا الاستهداف في معركتها لإسقاط النظام السوري. دونما أدنى شك، فإن السابقة العراقية عام ٢٠٠٣ التي شهدت التحاق المعارضة العراقية آنذاك بالمشروع الأميركي قدمت نموذجاً يمكن ركوبه لمعارضات عربية أخرى في السودان وفي ليبيا، وفي سوريا. فبعد سقوط بغداد عام ٢٠٠٣، ازدهر مفهوم «الصفر الاستعماري» في صفوف المعارضة الديموقراطية واليسارية والإسلامية السورية. أفتى فقهاء «الصفر الاستعماري» بصحة الاستعانة بالخارج، مهما كانت مشاريعه وأجنداته لتغيير الداخل. بكلمة أخرى، أجازت تلك المعارضات لنفسها الاعتماد على الدبابات الأميركية القادمة من محطتها البغدادية إلى دمشق، وراحت تتأهب لامتطائها للوصول إلى قصر الشعب.
لا ينبغي التقليل من أهمية التأزمات الاجتماعية الداخلية في التمهيد للحرب السورية، وهي تأزمات نتجت من سياسات نيوليبرالية خلال ١٥ عاماً أفضت إلى تفكيك شبكات الحماية وتخفيض التقديمات الاجتماعية لأكثرية السوريين، وهو ما أدى إلى تقليص القاعدة الاجتماعية للدولة في الأرياف بشكل خاص. لكن سوريا التي خسرت جناحها الجنوبي مع إنشاء الكيان الصهيوني، وبقيت في حالة صراع مستمر معه، ومع حلفائه الأميركيين منذ أربعينيات القرن الماضي، تحولت إلى أبرز قوة اعتراض على المشروع الأميركي لإعادة صياغة الشرق الأوسط في العراق وفلسطين ولبنان، والداعم الأبرز لحركات المقاومة.
إن هذا الدور بعينه وضع الموقع السوري بكل مكوناته في دائرة الاستهداف الأميركي الإسرائيلي الغربي، حيث تبدو حرب السنوات السبع العجاف محطة لاحقة من محطات الصراع مع سوريا، بعدما تم نقله إلى ساحاتها الداخلية نفسها وبأدوات محلية وإقليمية ودولية. وكما افترضت الهجمة الأميركية تدمير الدول والمجتمعات في ليبيا والعراق، كانت سوريا تتمة طبيعية لذلك الهجوم على الدولة العربية الوطنية. إن أي فهم صحيح لتدويل الأزمة السورية ينبغي أن ينطلق من هذا السياق الجيوسياسي الذي يميز الاستراتيجيات الدولية للهيمنة على المشرق العربي منذ أكثر من قرن، وليس من الترهات النظرية المجردة عن الدمقرطة والحريات، والترويج لمكونات سورية، واصطناع هويات طاردة، لتفكيك نسيج اجتماعي تألفت قرونه.
إذا كان ما شهدته مصر وتونس ثورات شعبية حقيقية ضد أنظمة تابعة وفاسدة، إلا أن ما شهدته سوريا وليبيا يندرج في الثورة المضادة المستندة إلى تدخل دولي. تنتظم قوى الثورة المضادة تاريخياً، كهزة زلزالية راجعة على الانفجار الثوري الأصلي. لا تزال انتفاضة فلاحي «الفانديه» في الغرب الفرنسي، تلك الثورة المضادة التي دعمها التدخل الإمبراطوري البريطاني والعروش الأوروبية لاحتواء ثوار الباستيل في باريس. وشكّلت موجات الروس البيض في ظلال التدخل الفرنسي البريطاني آخر محاولات الثورة المضادة لهزيمة أكتوبر وجيشه الأحمر. وأقرب من «الفانديه» «وأكتوبر» إلينا، تلك الحرب التي شنها العراق على الثورة الإيرانية الوليدة بدعم عربي خليجي وأوروبي وأميركي، منعاً لامتداد العدوى الثورية إلى دول الجوار. إن تدويل الثورات المضادة استند إلى توافق بين القوى الأوروبية المتدخلة، وهو توافق يفتقر إليه في سوريا حيث الساحات مفتوحة على تدخلات متناحرة تتصارع على سوريا. فالغربية الأميركية والإقليمية الخليجية والتركية نزلت الشام لإسقاط النظام منذ اندلاع الحريق لتعميمه، فيما واجهتها تدخلات دولية روسية وإقليمية إيرانية لتأمين شبكة أمان لدمشق، وحماية النظام من أي هجوم أميركي.
انتظم التدخل الدولي سياسياً في سوريا عبر تركيا أولاً، وفي «أنطاليا» التي قدمت مظلة غربية وأميركية وخليجية، بعد ٤٥ يوماً من اندلاع الأزمة من دون نتائج ملموسة. وبعد محاولة قطرية في أيلول من عام ٢٠١١ لرعاية مجلس وطني انتقالي يكرر التجربة الليبية، استطاع الأتراك انتزاع المبادرة ووضع «الإخوان المسلمين» في مفاصل مجلس وطني سوري أُعلن عنه في إسطنبول، وحصلوا على أربعين في المئة من مقاعده بديلاً من الخمسين في المئة في حكومة سورية ائتلافية عرضتها تركيا على دمشق، لكنها لم تبصر النور. إذ رفض الرئيس بشار الأسد الموافقة على المناورة الأخيرة لتسليم سوريا إلى «الإخوان» والأتراك، خلال اللقاء الأخير مع وزير الخارجية التركية أحمد داود أوغلو في دمشق في التاسع من آب ٢٠١١. لم يعمر المجلس طويلاً، إذ قررت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في تشرين الثاني ٢٠١٢ انتهاء صلاحيته، وعادت إلى الدوحة مهمة رعاية «الائتلاف» الذي رأسه معاذ الخطيب بديلاً من المجلس الوطني، رغم بقاء هيكله العظمي في خزانة إسطنبولية.
أما التدخل العسكري الدولي، فقد تدرج منذ الشرارة الأولى للأزمة عبر فتح المعابر التركية للضباط والجنود السوريين المنشقين نحو «يايلاداغ» في الإسكندرون المجاور. ورغم أن الانشقاق الذي أصاب الجيش السوري لم يؤدّ إلى خروج قطعة مكتملة من صفوفه إلى «يايلاداغ» أو المناطق التي سيطرت عليها المعارضة، وبقيت حركته فردية ومتفرقة، إلا أن ذلك لم يمنع الأميركيين من اختبار كل الصيغ الممكنة لمركزة العمل العسكري تحت قيادة الجيش الحر، الذي انتهى بقرار تركي سعودي ليبدأ باستيلاء جيش زهران علوش (السعودي)، وأحرار الشام (التركي) بقيادة حسان عبود في كانون الإول ٢٠١٣ على مخازن أسلحته في باب الهوى، وفرار قائد أركانه سليم إدريس إلى أوروبا. أدى ذلك إلى تسريع تدفق المجموعات الجهادية التي كانت حاضرة منذ البداية في تركيا، عبر جيش الأمة الليبي، الذي قاده مهدي الحاراتي. ويقول «المرصد السوري» المعارض إن أكثر من خمسين ألف جهادي أجنبي قتلوا خلال سبعة أعوام من الحرب في سوريا. وبأن الاستخدام الأوروبي الأميركي للمحرقة السورية، من خلال غض الأجهزة الأوروبية نظرها عن تدفق آلاف الجهاديين من أوروبا إلى سوريا أملاً بالتخلص منهم في تلك المحرقة وتغذية الصراع ضد الجيش السوري بلحم الجهاد الأوروبي. وتحول الجهاد السوري إلى ساحة رأت فيها المخابرات الأميركية فرصة لإعداد وتدريب الآلاف من الشيشان والقوقازيين والأويغور الصينيين في الحزب التركستاني الإسلامي الذي أدى دوراً مركزياً في معارك حلب. وهي جماعات كانت تستعد لنقل جهادها من سوريا إلى روسيا والصين عندما تحين الساعة.

أجازت بعض المعارضات لنفسها الاعتماد على الدبابات الأميركية


لم تتبلور حركة التدخل العسكري في غرف عمليات عبر الحدود التركية والأردنية وتنتظم إلا في حزيران عام ٢٠١٣. وقبل اجتماع الضباط الأردنيين والأميركيين والفرنسيين والبريطانيين لإنشاء «الموك» في عمان وقيادة العمليات في الجبهة الجنوبية، كانت الأجهزة الغربية والأتراك تعدّ في أنطاكيا غرفة عمليات مماثلة للانقضاض على الشمال السوري مبكراً، بعد غزو شرق حلب في التاسع عشر من تموز ٢٠١٢.
وفي أيلول ٢٠١٥، كانت غرفة «عمان» قد أخفقت في قطع التسعين كيلومتراً التي تفصلها عن دمشق، وهو الهدف الذي أنشئت من أجله. وتلقّت فصائل الجنوب أكبر هزيمة لها في درعا، رغم موجات «عاصفة الجنوب» الخمس التي شغلت صيف ٢٠١٥ كله من حزيران حتى الثاني عشر من أيلول من دون تحقيق أدنى تقدم نحو دمشق. وتلقت الفصائل الجنوبية آخر مستحقاتها قبل شهرين، فيما كان الروس في أيلول يستعدون لفتح صفحة جديدة من التدخل الدولي في سوريا.
ومنذ ذلك الحين، أعاد الأميركيون حساباتهم. تراجعت الحرب بالواسطة بعدما أفشل التدخل الروسي التدخل الدولي الآخر لإسقاط دمشق وتحولت إلى حرب مباشرة، ترتسم على الأرض السورية معالمها وحدودها في شرق الفرات مع انتشار القوات الأميركية في ثماني قواعد تستند إلى قوة ارتكاز كردية عشائرية في مواجهة تحالف روسي سوري إيراني.
ولم يبق للرئيس دونالد ترامب إلا التوقيع في تموز الماضي على قرار وقف برنامج «السي آي إيه» لتدريب «المعارضة المعتدلة» التي لم يعد لها وجود إلا في بعض الجيوب المتناثرة جنوباً، وشمال حمص، وريف حلب، وتنازع بقاياها في الغوطة الشرقية، ورصد أربعة مليارات دولار لتدريب جيش محلي لإدامة التدخل الدولي والحرب الدولية على سوريا.