«يا ريتني كنت جوّا واندفنت بين حيطانو» يقول أبو حسّان بصوت مرتجف. يشيح الرجل بوجهه بعيداً عن الكاميرا، يصمتُ قليلاً ثمّ يُردف «الحمد لله على كل حال». وفي خلال محادثة عبر «سكايب»، يوجز الستّيني المقيمُ في تركيا حكاية بيته في إحدى قرى ريف حلب الشمالي. يقول لـ«الأخبار» إنّه كان قد بنى البيت بيديه حجراً حجراً قبل أكثر من أربعين عاماً. «على سطح بيت أهلي عمّرناه أنا وأبي الله يرحمه، غرفتين وحمّام، وتزوجت خالتك أم حسّان الله يرحمها». عدد اللاجئين السوريين الذين تمت إعادة توطينهم في بلد ثالث خلال العام 2017

لم تكن ثمة حاجة لوجود مطبخ، فالمطبخ موجود في الأسفل في بيت العائلة حيث «يجتمع الكل على سفرة وحدة». يغالب الرجل غصصهُ مرات عدة في خلال الحديث؛ فالبيتُ الذي خسره كان تاريخَ حياةٍ كاملة. نشأ في طبقته السفلى، وتزوَج في طبقته العليا، ثمّ سكن البيت بأكمله بعد وفاة والدَيه، قبلَ أن يُفرِد الطبقة العليا بعد سنوات لتزويج واحدٍ من ولدَيه الذكرين. حين حطّت الحرب رحالَها في قريته، كان أبو حسّان قد ترمّل قبل عامين. رفض الانصياع لإلحاح ابنه الذي قرر اصطحاب أسرته والهرب إلى تركيا. «اللي بيفارق دارو بيقل مقدارو، وأنا زلمة كبير وما في معنى لحياتي بعيد عن الضيعة». بقي الرجل وحيداً في منزله (ابنه الثاني يقيم في دمشق منذ عشر سنوات) وتناوبت بناته المتزوجات الأربع على الاعتناء به. ورغم اشتداد الحرب تدريجيّاً لم يقتنع بالمغادرة، لكنّ الحال تغيّرت حين تحوّل بيته إلى أنقاض. كان قد لبّى دعوة إحدى بناته للغداء في منزلها في أحد أيام نيسان من عام 2013. في فترة الظهيرة هزّت أصوات السلاح الثقيل القرية، وبعد أن هدأت الوتيرة عاد إلى منزله ليجده مهدّماً. ليس أبو حسّان سوى واحدٍ من ملايين السوريين الذين خسروا بيوتهم، سواء بسبب الخراب الذي طاولها، أو بسبب اتّخاذهم قراراً بالرحيل عن أماكن سكنهم الأساسيّة. ويصعبُ الوقوف على تقديراتٍ دقيقة لعدد المنازل التي دُمرت على امتداد البلاد، لا سيما مع استمرار المعارك العنيفة. وفي تموز الماضي، أوضح تقرير للبنك الدولي أنّ الصراع قد ألحق أضراراً أو دماراً بحوالى ثلث الوحدات السكنيّة في البلاد حتى مطلع عام 2017. وتقدّر «المفوضيّة السامية لشؤون اللاجئين» عدد السوريين الذين فارقوا بيوتهم منذ بدء الحرب (من دون أن يشمل هذا الرقم المدنيين الذين غادروا عفرين والغوطة الشرقيّة) بأكثر من أحد عشر مليوناً ونصف مليون (6.1 ملايين نازح داخل سوريا، و5.6 ملايين لاجئ في دول الجوار)، ويُضاف إليهم قرابة مليون فرّوا إلى أوروبا وفقاً لتقديرات عدّة، ليتجاوز الرقم الإجمالي حاجز الـ12 مليوناً (أكثر من نصف عدد سكان البلاد قبل الحرب).


للصورة المكبرة أنقر هنا

بين الندم والرضى

لا يحنّ معتز إلى منزله ولا إلى مدينته. يؤكد الشاب اللاجئ في بلجيكا أنّه لا يشعر بالندم على رحيله، يقول «بس بحن للرفقة... للناس. والله كل يوم بتمنى كل اللي بحبّن يجوا لهون». ويضيف «هون مو جنّة، بس هون بتعيش وبتنبسط وبتتنظم غصباً عنك، وأهم شي بتحس إنو إلك قيمة كبني آدم». وتختلف الحال عند مروان الذي يؤكد أنّه نادمٌ على مغادرته البلاد. يرى الشاب اللاجئ في ألمانيا أنّ الذين نزحوا داخل سوريا هم أكثر حظّاً ممّن في مثل حالته.
يقول «نحن خسرنا كلّ شيء، أما الذين هربوا من مناطقهم إلى مناطق أخرى داخل البلد فقد احتفظوا على الأقل بنمطٍ حياة سوري، نمط يصعبُ عليّ أن أجده هنا، أو أن أستبدله بالحياة الأوروبيّة». لا يعرفُ مروان شيئاً عن منزله في جسر الشغور (ريف إدلب الغربي)، فقد انقطعت صلاتُه بمدينته منذ فرّ مصطحباً أسرته إلى اللاذقيّة قبل يومين من سقوط جسر الشغور في قبضة المجموعات المسلّحة (نيسان 2015). أسابيع قليلةٌ بعدها كانت كافيةً ليحسم الرجل قراره ويصطحب الأسرة في رحلة طويلة عبر ميناء طرابلس اللبناني إلى مرسين بشكل نظامي، ومن ثمّ بوساطة أحد المهرّبين إلى أوروبا. لا يعرف مروان ما إذا كان سيفكر في العودة إلى سوريا حال تغيّر الظروف في مدينته. يقول «قلبي بيتمنى أرجع بكرا، بس العقل حساباتو مختلفة مشان الأولاد، خاصة إني ما بعرف إذا رجعنا كيف ممكن أمّن سكن ومصروف». وخلافاً لحال اللاجئين في أوروبا، ترتفع نسبة الراغبين في العودة إلى سوريا في صفوف اللاجئين في دول الجوار «بعد عام 2017 إذا ما حصل تحسّن ملحوظ في ظروف مناطق عودتهم». وتُراوح نسبة هؤلاء بين 76 و96% وفقاً لدراسات واستطلاعات مختلفة (راجع «الأخبار» 15 تموز 2017).

تحذير من العودة إلى «الأرض الخطرة»

لا يبدو «الحنين» سبباً كافياً يدفع المنظمات الدولية إلى تشجيع عودة اللاجئين. في آب الماضي، قال الناطق الرسمي باسم «مفوضية اللاجئين» سكوت كريغ لـ«الأخبار» إنّ «المفوضية لا تشجع ولا تسهّل حالياً أي عودة إلى سوريا، لأن شروط العودة الطوعية بأمان وكرامة غير متوافرة بعد». وفي شباط الماضي، حذّر تقرير مشترك صدر عن عدد من المنظمات المعنيّة بشؤون اللاجئين من تبعات االعودة إلى «الأرض الخطرة». التقرير الصادر عن «المجلس النرويجي للاجئين، وجمعية إنقاذ الطفل، ومنظمة العمل ضد الجوع، ومنظمة كير الدولية، والمجلس الدنماركي للاجئين، ولجنة الإنقاذ الدولية» حذّر من أن «الحكومات في أوروبا والولايات المتحدة والمنطقة بدأت في عام 2017 التفكير صراحة في عودة اللاجئين إلى البلاد، ما يعرض العديد من الأرواح للخطر». وفي خلال الشهور الخمسة من عام 2017 رحّلت السلطات الأردنيّة ما معدله 400 لاجئ مسجّل إلى «أوضاع غير آمنة في سوريا». كذلك عاد ما معدله 500 لاجئ شهرياً من الأردن إلى سوريا «في ظل ظروف غير واضحة، ولم تقدم السلطات سوى أدلة قليلة على ارتكاب هؤلاء اللاجئين لسوء تصرف، ولم تمنحهم أي فرصة حقيقية للاعتراض على ترحيلهم أو التماس المساعدة القانونية قبل الترحيل». وارتفع عدد العائدين طوعاً إلى مناطق سكنهم إلى حوالى 721 ألفاً (معظمهم كانوا نازحين داخليّاً)، لكنّ 2.4 مليون شخص اضطرّوا في المقابل إلى مغادرة منازلهم على امتداد الأشهر التسعة الأولى من عام 2017 (بمعدّل أكثر من 8 آلاف شخص يوميّاً)، فيما «تتوقع الأمم المتحدة أن ينزح 1.5 مليون سوري آخر في عام 2018»، بينما منعت السلطات التركية والأردنية حوالى 300000 شخص، كانوا يحاولون الفرار من سوريا، من الدخول.

اللاجئون في دول الجوار

بلغ عدد اللاجئين في دول الجوار 5.610.727 شخصاً وفقاً لأحدث بيانات «مفوضيّة اللاجئين»، من بينهم 460.470 لاجئاً يقطنون في مخيّمات (حتى 13 آذار الجاري). ووصل عدد اللاجئين المقيمين في تركيّا إلى 3.547.194 لاجئاً (حتى 8 آذار الجاري)، فيما يقيم 995.512 لاجئاً في لبنان (حتى نهاية كانون الثاني الماضي). ويقطن 659.063 لاجئاً في الأردن (حتى 13 آذار الجاري)، و247.379 في العراق (حتى نهاية كانون الثاني الماضي) و128.034 في مصر (حتى نهاية شباط الماضي)، و33.545 في عدد من دول شمال أفريقيا (حتى 15 آذار الجاري). واستمرّت في خلال العام الماضي جهود «المفوضيّة» لإعادة توزيع اللاجئين من دول الجوار على دول أخرى ضمن إطار برنامج «التوطين في بلد ثالث»، لكنّ عدد الملفّات المقبولة سجّل تراجعاً بنسبة 50 في المئة تقريباً، وفقاً لتقرير «أرض خطرة».