في الثامن عشر من كانون الثاني/ يناير 2015، تُوفيت جاكلين نيتر قروج، شيخة المجاهدات الجزائريات، وحمل تابوتها شباب من الدفاع المدني على أكتافهم إلى مثواها الأخير في «مربع الشهداء» في مقبرة «العالية»، لتنام هناك إلى الأبد على مقربة من الأمير عبد القادر، ومحمد بوضياف، وأحمد بن بلة، وهواري بومدين، وكبار الشخصيات التي كافحت من أجل استقلال الجزائر.

ودّعها جمعٌ غفير من رفاقها من قدماء المجاهدين ومن المثقفين والمسؤولين، وأيضاً الشباب خاصة من طلاب جامعة الجزائر. جاكلين قروج هي واحدة من العشرات أو المئات من الفرنسيين الذين انضموا إلى صفوف ثورة الجزائر وقاتلوا من أجل الاستقلال. هي أكبر المجاهدات سناً على الإطلاق، كانت في الخامسة والتسعين عند وفاتها، وفي الخامسة والثلاثين عند اندلاع ثورة الجزائر عام 1954.
التحقت بالمجموعات المسلّحة لتنظيم «المقاتلين من أجل الحرية» ــ الجناح المسلّح للحزب الشيوعي الجزائري الذي كان يُقاتل في مناطق غرب البلاد. التحقت بشبكة العمل الفدائي في العاصمة بعد اتفاق توحيد العمل المسلّح بين الشيوعي وجبهة التحرير في حزيران/يونيو 1956، إلى جانب جميلة بوحيرد، وجميلة بوعزة، وزهرة ظريف، وزهور زراري، وأني شتينر، وجوهر أكرور، وعشرات من المناضلات اللاتي أطلَق عليهن جيش الاحتلال لقب «واضعات القنابل» كونهن من كنّ ينفذن عمليات تفجير المصالح الفرنسية في مدينة الجزائر «للتخريب أو للترهيب».
في بداية عام 1957، تدفقت على المدينة قوات كبيرة بعشرات الآلاف من الضباط والجنود من فرنسا ومن المستعمرات الإفريقية، وحوّلت وزارة الدفاع الفرنسية معظم المحاربين الذين انهزموا في حرب «الهندوالصينية» للعمل بالجزائر، وأطلقت ما صار يُسمى «معركة الجزائر». كانت فرق المظليين تنتشر كالنمل في كل الأركان، يقودها جنرالات بسلطات استثنائية لفعل كل ما من شأنه إخماد نار الثورة. وكانت جاكلين وباقي الجميلات يتسربن بين تلك الحشود المسلّحة كالماء، ينظمن ويجندن وينقلن التقارير والأوامر والمعلومات، وينفذن مهمات قتالية. لكن قوات الاحتلال تمكنت من اعتقال جاكلين وزوجها الجزائري عبد القادر قروج، وهو أيضاً من الحزب الشيوعي وصدر بحقهما حكم الإعدام بتهمة التعاون مع مناضل فرنسي آخر في صفوف الثورة اسمه فيرناند ايفتون، لمحاولة تفجير محطة الغاز بمدينة الجزائر. وخلال محاكمتها من قبل القضاء العسكري الفرنسي، رافعت مدافعةً عن نفسها وعن عدالة قضيتها وأبهرت الحضور بقوتها وفصاحتها وثباتها وتمكنها من الجملة المؤثرة. ومن بين ما طبعت به تلك المرافعة قولها «لما كانت فرنسا تحت الاحتلال النازي، اعتُقلتُ واحتجزتُ في محتشد كوني يهودية... تمكنت من النجاة أنا وأفراد عائلتي بمساعدة من المقاومين الفرنسيين... أدركتُ بعدها أن ثمة أوضاع يستحيل معها البقاء على الحياد. وأدركتُ أيضاً أنّ عليّ ديْن، فعاهدتُ نفسي على سداده بمجرد توفر الفرصة لذلك».
نفذت جاكلين الأمرين: لم تبق على الحياد، ودخلت معترك تحرير الجزائر حين جاءت فرصة سداد الدين. لم ينفذ فيها حكم الإعدام فنجت من «محرقة» للمرة الثانية بفضل حملة واسعة في فرنسا قادتها الفيلسوفة والروائية الكبيرة سيمون دو بوفوار، انخرط فيها آلاف المثقفين والناشطين في المنظمات الإنسانية والجمعيات المدنية، وظلّت في السجن إلى أن أُفرِجَ عنها مع باقي السجناء غداة اتفاق وقف إطلاق النار في 19 آذار/مارس 1962.
بعد إعلان قيام الجمهورية الجزائرية في الخامس من تموز/ يوليو من العام نفسه، بدأت جاكلين العمل في الحياة المدنية مجدداً، ولكن هذه المرة لبلد أحبّته واعتنقت قضيته وساهمت في تحريره وحضرت ميلاده.