مع اندلاع ثورة التحرير المسلحة في الجزائر مطلع تشرين الثاني/ نوفمبرعام 1954، وضعت إدارة الاحتلال برنامجاً للإعلام والدعاية لتشويهها، ورسمت صورة نمطية لرجال الثورة ونسائها تُظهرهم بشكل قطّاع طرق همجيين فقراء وغير متعلمين. لكن انضمام أعداد كبيرة من الأوروبيين ومن الفرنسيين خصوصاً ممن كانوا في مستويات معيشية محترمة، كسر هذه الصورة النمطية وبيّن أنّها مجرد خدعة للرأي العام في الجزائر وفي فرنسا، وأنّ الثورة نقلة نوعية في سياق التطور التاريخي للأمم، وأنّها مسعى لتجسيد قيم الحرية والعدالة والنبل.

معظم من شارك في ثورة الجزائر من الفرنسيين كانوا بمستويات تعليمية عالية وبرصيد نضال نقابي طويل وعلى درجة راقية من الوعي؛ فبينهم محامون وصحافيون وأساتذة جامعات ومهندسون وأطباء وغير ذلك من المراكز الاجتماعية القيّمة في المجتمع الفرنسي. وهم على العموم نوعان، منهم من انخرط في الثورة لأنها ثورة بلده وشعبه ويرى نفسه جزائرياً معنياً بموضوع التحرير، مع أنّ أصوله فرنسية وديانة عائلته مسيحية أو يهودية واسمه جاك أو جورج أو كورس أو هنري أو جاكلين أو دانيال. ومنهم من انخرط وهو على جنسيته، لأنّ الثورة سحبته إليها كونها قضية عادلة وكفاحاً من أجل الحرية، وأيضاً لزخمها وصداها في العالم بفعل قوة الثوار وقدرتهم على فرض الأمر الواقع لمّا جعلوها أهم أحداث زمانها وفرضوا على الجميع متابعة بطولاتهم.
معظم من كافحوا في صفوف ثورة الجزائر من المنحدرين من أصول فرنسيّة، هم يساريون وشيوعيون على الخصوص، سقى كثير منهم بدمه شجرة الحرية وعاش آخرون أجواء الاستقلال وواصلوا عملهم في معركة إعادة بناء الجزائر. وفي ما يلي نبذة مختصرة عن بعض هؤلاء المناضلين... على سبيل المثال لا الحصر.

موريس أودان

كان موريس أستاذاً للرياضيات في جامعة الجزائر، وعضواً نشطاً في الحزب الشيوعي الجزائري. انضم الى الثورة مع الخلايا الشيوعية التي تأسست عام 1955، ثم التحق بشبكة العمل الثوري السري في العاصمة عام 1956، وهو يواصل عمله كأستاذ. موريس اعتبر نفسه على الدوام جزائرياً أصيلاً ــ وفق شهادات من يعرفونه ــ مع أنّه من ثقافة غير ثقافة الجزائريين ومن دين غير دينهم. فهو ولد في تونس في أسرة يهودية، وفرنسي الجنسية أصلاً. في11 حزيران/ يونيو عام 1957 اقتحمت مجموعة من فرقة المظليين التي تنفذ عمليات «معركة الجزائر» بيته واعتقلته وسلطت عليه أقسى أنواع التعذيب، حسب شهادة رفيقه هنري علاق الذي كان معه في الحجز كي يدلي بمعلومات تساعد على كشف شبكة العمل الثوري. في بداية تموز/ يوليو اتصلت قيادة العمليات العسكرية في العاصمة بزوجته وأخبرتها بأنّه هرب من معتقله، فانقطعت أخباره وظل مصيره غامضاً، حتى اعترف قبل سنوات الجنرال بول اساريس، وهو أحد أهم رموز التعذيب، بأنّه أصدر أمراً بقتل موريس أودان ونفذ الأمر بخنجر حتى يعتقد الناس أنّ جبهة التحرير قتلته في سياق اقتتال داخلي بين الشيوعيين و«الوطنيين».
مُنِحت له الجنسية الجزائرية بعد الاستقلال حتى وهو في العالم الآخر، واحتُسِب من بين شهداء الثورة. وتحمل ساحة تتوسط العاصمة اسمه على بعد أمتار فقط من القاعة التي كان يلقي فيها دروسه في جامعة الجزائر. وتحصلت عائلته من الرئاسة الجزائرية على وسام شرف، خدمة البلد، مثل التي ناله غيره ممن سقطوا في ميدان الشرف لتحرير الجزائر. وفي عام 2009 رفضت ابنته البكر ميشال، وهي أستاذة رياضيات في جامعة ستراسبورغ الفرنسية، تسلّم وسام «جوقة الشرف»، ووجهت رسالة إلى الرئيس نيكولا ساركوزي، تشرح له الأمر، وقالت إنّ من غير اللائق تسلّم مثل هذا الوسام فيما حقيقة اختفاء أبيها لم تُكشف، حتى إنّ السلطات لم ترد على رسالة وجهتها أمها جوزيت في هذا الشأن.

هنري مايو

ينحدر مايو من عائلة عماليّة أقامت في الجزائر منذ عشرات السنين واختلطت بالعرب والبربر حتى صارت أقرب إليهم منها إلى الأوروبيين. وكانت الثورة الجزائرية في أوج عنفوانها عندما استُدعي هنري لأداء الخدمة العسكرية الإجبارية في الجيش الفرنسي، ما يعني أنّه مرشح ليصبح قاتلاً، وهو الذي ورث عن والديه طريق النضال من أجل الحق والعدل والحرية والإنسانية.
حين كان ضابط صف في الجيش عام 1956، استولى على شاحنة محمّلة بالأسلحة والذخيرة كانت موجهة لتعزيز قدرات جنود الاحتلال، وحوّلها إلى جبال الونشريس قرب عين الدفلة غرب العاصمة. كانت خدمة عظيمة للثورة الجزائرية التي كانت وقتها بحاجة ماسة الى السلاح. ولقد صادفت تلك العملية البطولية لهنري مايو حادثة أخرى أسعدت الثورة كثيراً، وهي توحيد القوات المسلحة الثورية في الجزائر، بعدما كانت في السابق فصيلين، أوّلهما باسم جيش التحرير الوطني وينشط في شرق البلاد خصوصاً، وثانيهما معروف باسم «مقاتلو الحرية» وينشط في الغرب. تقرر توحيد القوة العسكرية بعد لقاء لمّ الشمل بين قيادتي التنظيمين. وكانت حادثة شاحنة الأسلحة مناسبة سعيدة لتكريس وحدة الكفاح المسلح لكلّ الجزائريين ضد المستعمر. وسقط هنري مايو في ميدان معركة الحريّة بعد مدة من التحاقه بصفوف جيش التحرير.

فيرناند افتون

نشأ فيرناند في عائلة عمالية شيوعية، واشتغل في مصنع الغاز بمدينة الجزائر. في عام 1955 التحق بتنظيم «المقاتلين من أجل الحرية»، وهو الجناح المسلح للحزب الشيوعي الجزائري. وفي منتصف عام 1956 وقّعت قيادة الحزب مع قيادة جبهة التحرير اتفاق توحيد القوة القتالية، وانضم إلى جيش التحرير الوطني ضمن شبكة العاصمة. عرض على مسؤوليه تنفيذ «عملية تخريب» بتفجير مصنع الغاز الذي كان يشتغل فيه. حمل القنبلة ووضعها في خزانة على أن تنفجر عند المساء بعد خروج العمال بساعتين. لكن الحارس لاحظ أنّ فيرناند دخل بحقيبة في يده وخرج من دونها، فشك في أمره. بعد تفتيش المصنع عُثِر على القنبلة وأبطل الجيش مفعولها واعتُقل فيرناند افتون، وحُكِم عليه بالإعدام، ورفض الرئيس روني كوتي، ووزير العدل فرنسوا ميتران، ورئيس المجلس غي مولييه، التماساً لإلغاء الحكم، ونُفِّذ في ساحة سجن بربروس في العاصمة فجر 11 شباط/فبراير 1957، مرفقاً باثنين من رفاقه الجزائريين محمد بن زيان، وعلي بن خيار. وهو الأوروبي الوحيد الذي اُعدِم بالمقصلة خلال حرب استقلال الجزائر.

دانيال مين (جميلة عمران)

مقاومةٌ صلبة ربّتها والدتها المناضلة الشيوعية جاكلين قروج على مُثُل العدل والحق والإنسانية. هي ثمرة زواج جاكلين الأول من رفيقها في الحزب وفي مهنة التعليم، بيار مين. دانيال كانت طالبة في مدرسة ثانوية في العاصمة. التحقت بالتنظيم الثوري في عام 1956 تلبيةً لنداء من جبهة التحرير الوطني الذي دعا الطلاب إلى دعم صفوف الثورة. عملت في شبكة خلايا الثورة في العاصمة ثم انتقلت إلى منطقة ريفية في ولاية البرج الحالية شرق البلاد، وتدربت على العمل العسكري والتمريض، وعملت في أوساط العائلات الريفية لتعزيز ارتباطها بالثورة. أُسِرت عام 1957 وحُكِم عليها بسبع سنوات سجناً، وهي دون الثامنة عشرة.
بعد الاستقلال اختارت مثل والدتها الجنسية الجزائرية ودخلت معركة إعادة البناء. اشتغلت أستاذةً للتاريخ في جامعة الجزائر، وتزوجت شقيق رفيقها الطبيب خليل عمران، الذي سقط في ميدان الشرف وصار اسمها جميلة عمران. ألّفت عدة كتب، من بينها «نساء الجزائر في الحرب». وفي تسعينيات القرن الماضي هاجرت إلى فرنسا، وصارت أستاذةً لمادة «تاريخ تصفية الاستعمار» في جامعة تولوز. توفيت في 11 شباط/ فبراير 2017 في باريس، ودُفِنت في بجاية ــ مدينة زوجها.

روني فوتييه

هو واحد ممن وضعوا الأساس لميلاد السينما الجزائرية من رحم الثورة. حمل الكاميرا إلى الجبال وساحات المعارك ليصوّر بطولات جيش التحرير ضد قوات الاحتلال ووحشية القصف الجوي للطائرات الفرنسية على القرى والمجمعات السكنية، وقتل الأطفال والنساء والعجزة. عكست لقطاته التفاف الجزائريين حول الثورة بتصوير نزول المجاهدين ضيوفاً على السكان وحرارة الاستقبال والاهتمام الكامل لأهل الريف خصوصاً بحصص التوعية والتجنيد التي يقوم بها المحافظون السياسيون للجيش وتطبيق الناس للتعليمات، وما إلى ذلك من المحاور التي شكلت صورها النواة الأولى للفيلم الجزائري.
وصلت صور روني فوتييه وزملائه من الفرنسيين المنتمين إلى الثورة، مثل بيار شولي وزوجته وآخرين، كما من الجزائريين، وفي مقدمتهم عبد القادر شندرلي ثم محمد الخضر حمينة صاحب السعفة الذهبية في مهرجان كان لعام 1975 عن فيلم «وقائع سنين الجمر»، إلى مختلف أصقاع العالم، وأدت دوراً كبيراً في جلب انتباه الرأي العام الدولي حول القضية الجزائرية. وقد تسللت استطلاعاته المصوّرة التي كانت شهادات حيّة عن فظاعة ممارسات الاستعمار إلى أروقة الأمم المتحدة وقصور حكام أقوى بلدان العالم وأكثرها تأثيراً آنذاك، وأسهمت في جلب تعاطف معظم الشعوب والحكومات في العالم. كذلك شكّلت أداة ضغط عجّلت في هزيمة فرنسا الديبلوماسية بخصوص المسألة الجزائرية.
نال روني فوتييه أوسمة الشرف الجزائرية باعتباره مواطناً ومناضلاً، وهو حتى اليوم ــ وإنْ كان يُقيم في فرنسا ــ لا يترك مناسبة إلا ويزور الجزائر لتجديد اللقاء بالتاريخ. وهو في السنوات الأخيرة، بات شديد التأثر بسفك دماء الجزائريين، وقال ذات مرة: «لقد قاومنا الاستعمار من أجل أن يعيش هذا البلد الجميل في أمن واستقرار... ويجب أن يعود الأمن لأنّ الجزائر لا يُمكنها أن تكون شيئاً آخر غير البلد الجميل الذي تنبت فيه المحبة كل صباح».

هنري علاق

كان هنري علاق مناضلاً في الحزب الشيوعي الجزائري، وكان صحافياً لامعاً في يومية «ألجي ريبوبليكان ــ Alger republicain». في عام 1955 قررت السلطات الفرنسية وقف الجريدة عن الصدور وملاحقة جميع محرريها، وقررت حلّ الحزب الشيوعي ومطاردة المنتسبين إليه بتهمة الإرهاب والتمرد. التحق عدد منهم بالعمل المسلح في الريف خاصة، بينما ظلّ آخرون يقومون بالعمل السياسي السري. واعتقل هنري وصدر في حقه حكم بعشرين عاماً مع الأشغال الشاقة وذاق كل أنواع التعذيب. أُفرِج عنه بمقتضى اتفاقات الاستقلال عام 1962، وقد عاود الكرّة وجمع رفاقه وأصدر الجريدة من جديد، لكنها تعرضت للمنع مجدداً في 19 حزيران/ يونيو 1965، من نظام الرئيس هواري بومدين، هذه المرة، بعدما رفضت قيادتها تأييد الانقلاب على الرئيس أحمد بن بلة.
صار طاقم الجريدة مُطارداً مرة أخرى، فاضطر هنري علاق مع عدد آخر ممن يشتغلون فيها إلى الفرار خارج الجزائر. استقرّ بعدها في فرنسا إلى أن توفيَّ في تموز/يوليو 2013. وحتى إن توقف عن العمل الصحافي الموجّه للجزائريين، فإنه ألّف عدداً كبيراً من الكتب التي فضح فيها ممارسات الجيش الفرنسي في الجزائر. ويُعدُّ كتابه «السؤال» الأكثر تعبيراً عمّا عاناه المعتقلون الجزائريون من ويلات التعذيب في سجون الاحتلال. وهو مؤلف أضخم وأشمل كتاب عن الثورة الجزائرية بعنوان «حرب الجزائر».
بعد إعلان التعددية في الجزائر (نهاية الثمانينيات)، زارها عدة مرات. وقد أخرج المخرج جان بيار لييدو، وهو شيوعي جزائري، فيلماً حول مسيرة حياة هنري علاق قبل خمسة عشر عاماً بعنوان «حلم جزائري»، ويحكي عن عودته إلى الجزائر. لكن الفيلم ممنوع في الجزائر لأنّه في عمومه غير مطابق للتاريخ الرسمي الذي يُدرَّسُ في المدارس ويردّده المسؤولون، ويرسخونه في الأذهان. وهو في عمومه مزيّف يُخضع انتصار الثورة لخدمة مصالح فئة منتفعة بائسة.
هذه نماذج من الشخصيات ذات الأصل الفرنسي والأوروبي عموماً التي انحازت إلى الثورة الجزائرية لأنها مشروع إنساني عظيم قام على أنقاض سلطة القهر التي ستنتهي في كلّ مكان من المعمورة. في جزائر اليوم كفاح من أجل محاكمة جلادي الاستعمار الفرنسي الذين اقترفوا جرائم ضد الإنسانية، وفي نفس الوقت كفاح من أجل ألا تكون تلك الجرائم التي اعترف بها من اقترفوها مؤشراً على انحدار الفكر إلى مستوى الانعزالية وقصور الذاكرة الى درجة تجاهُل قسمٍ ممن قدّموا أعز ما يملكون لتتحرر الجزائر وإن كانوا من غير أبنائها الأصليين.

جاك شاربيه

في عام 1958، وبينما كان وهج ثورة الجزائر قد بلغ كل العالم، انضمّ شاربيه، وهو مثقف وكاتب ومخرج سينمائي وممثل، إلى شبكة واسعة في أوروبا من مناضلين حقوقيين ومعارضين للاستعمار، تدعم الثورة وتتشكل خاصة من مثقفين ونقابيين ويساريين فرنسيين وألمان وسويسريين وغيرهم. تُسمى «شبكة جونسون» ثم «شبكة كوريال» ويُطلِق عليها الجزائريون عادة اسم «حمَلة الحقائب» كونها تعمل في نقل الوثائق والأسلحة والأموال بين خلايا جبهة التحرير الجزائرية في أوروبا، من خلال الحقائب.
يُعرف عن جاك شاربيه أنّه كان من أنشط عناصر تلك الشبكة، ما جعل البوليس الفرنسي ينتبه إلى نشاطه، فاعتقله عام 1960 واتّهمه القضاء العسكري بالتآمر على أمن فرنسا ومساندة المتمردين في الجزائر، ولكنه تمكن من الفرار مستغلاً فترة علاج من مرض أصابه وهو في السجن. بعد الاستقلال، أخرج فيلم «سلام فتي» يروي بداية الدولة الجزائرية وآثار الحرب على أطفال الشهداء وعامة الشعب، نال به عام 1969 جائزة أحسن فيلم في «السينما الفتية» في مهرجان موسكو السينمائي.
ألّف شاربيه كتباً عدة، منها «الجزائر في أسر» و«أطفال الجزائر»، وكانت كتبه ممنوعة من التوزيع في فرنسا كونها تكشف جرائم الاستعمار وتدينها. وفي 2003، أصدر «حاملو الأمل» عن مطبوعات «لاديكوفارت» في فرنسا، وكان عبارة عن شهادات من أوروبيين وضعوا أنفسهم تحت تصرّف الثورة الجزائرية وأسهموا فيها بقدر استطاعتهم. ومع أنّ ما قدّمه هؤلاء شكّل دعماً قوياً وحاسماً للثورة في بعض الحالات، فإنّ جاك شاربيه قال، وبتواضع نادر في آخر أيامه: «أعتقد أننا لم نفعل غير أشياء بسيطة ومتواضعة بعيدة عن جحيم الحرب ورعبها اليومي... كنّا مندفعين لإنجاز مهام فرضت نفسها على الواقع ليس إلا».
تُوفي جاك شاربيه في الرابع من كانون الثاني/ يناير 2006 عن عمر ناهر 76 عاماً. وأقام جمع كبير ممن بقي من رفاقه تأبيناً له في العاصمة الجزائر، عرف حضوراً كبيراً من مختلف الأعمار والفئات.