التاسع عشر من آذار/ مارس (أمس) هو يوم النصر الذي يحييه الجزائريون كل عام. فيه توقف القتال مع قوات الاحتلال الفرنسي في أشرس حرب استقلال شهدتها أفريقيا والمنطقة العربية وحوض البحر المتوسط؛ بل ومن أشرس حروب الاستقلال في العصر الحديث. يوم النصر في الجزائر يُسمى في فرنسا «يوم النكبة»، إذ فيه ألقى الجيش الفرنسي الكبير المدعّم من الحلف الأطلسي السلاح مرغماً، اعترافاً بهزيمة مدوّية ملأت العالم صخباً. توقف إطلاق النار منتصف نهار ذلك اليوم، بعد نحو تسعين شهراً من حرب طاحنة خلّفت مليوناً ونصف مليون شهيد من الجانب الجزائري، معظمهم من المدنيين، وآلافاً من الضحايا من الجانب الفرنسي.

جاء وقف النار تتويجاً لمسار مفاوضات شاقة دامت ثلاث سنوات، جرت على مراحل وبالموازاة مع استمرار العمليات القتالية. وجرت آخر جولة من المفاوضات في بلدة «إيفيان» على الحدود السويسرية ــ الفرنسية بدايةً من أول آذار بين وفد عن الحكومة الفرنسية التي كان على رأسها الجنرال شارل ديغول، ووفد عن الحكومة الجزائرية المؤقتة، ووقّع الجانبان على اتفاق نهائي يوم 18 آذار تتوقف بموجبه كل الأعمال المسلحة بداية منتصف النهار التالي.
سبق التوقيع على الاتفاق انتصارات عسكرية ودبلوماسية وسياسية كاسحة، حققها ثوّار الجزائر برفع وتيرة المواجهة والتفاف الشعب حولهم وزيادة عدد البلدان المعترفة بالحكومة الجزائرية المؤقتة واستمالة نسبة عالية من الرأي العام الأوروبي، بما فيه الفرنسي، لوقف الحرب وتمكين الجزائريين من تقرير مصيرهم.
هكذا، وبعد 132 عاماً من الاحتلال الاستيطاني، خضعت فرنسا للأمر الواقع ولضربات الثوار وقررت الرحيل، وهي تجرّ أذيال هزيمة 1.4 مليون عسكري مدججين بأحدث الأسلحة وبدعم مطلق من الحلف الأطلسي... فكان «التاسع عشر من مارس» بالنسبة إلى الفرنسيين يوم النكسة الكبرى بقدر ما كان يوم الانتصار الأعظم بالنسبة إلى الجزائريين.
بالنسبة إلى الجنرال ديغول، كانت القراءة الأولى لثورة الجزائر مباشرة بعد وصوله إلى السلطة عام 1958، أن من المستحيل تحقيق نصر عسكري على ثوّار يدعمهم شعبهم بكل ما يملك، فأطلق جملة من المبادرات التي يُحسّن بها الوضع المعيشي للجزائريين بغرض عزل الثورة عن الشعب، وفي مقدمة تلك الإجراءات ما سمّي «مخطط قسنطينة» نسبةً إلى كبرى مدن شرق الجزائر، ويقضي بالمساواة الكاملة بين «جميع الفرنسيين» أمام القانون وفي الحقوق والواجبات وصار كل الجزائريين يحملون الجنسية الفرنسية الكاملة بعدما كانت تُدوّن على بطاقاتهم عبارة «فرنسي مسلم» تمييزاً عن بقية الفرنسيين. وبنت الدولة الفرنسية عشرات الآلاف من الشقق في عمارات جميلة ووزعتها على الجزائريين وأعلنت العفو عن جميع من أساؤوا للنظام العام في حال إقلاعهم عن نهج التمرّد (يقصد بهم الثوار)، وقررت رفع تمثيل الجزائريين في جميع الهيئات التي تُسيِّر الشأن العام وعيّنت جزائريين في مناصب عليا.
إلا أنّ المخطط فشل لأنّ الثورة استمرت وزادت تأججاً وانتشاراً، فأعلن ديغول عام 1959 استعداده لإقامة دولة جزائرية منفصلة عن فرنسا معترف بها دولياً وتتمتع بالسيادة الكاملة على المناطق الشمالية للجزائر، على أن تبقى الصحراء (الغنية بالنفط والغاز واليورانيوم والذهب وغيرها من المعادن) في قبضتها، وخاصة أنّها المجال الذي ستُجري فيه تجاربها النووية منذ شباط/ فبراير 1960.
الحكومة المؤقتة رفضت العرض وواصلت الحرب إلى غاية تحرير كل البلاد التي تبلغ مساحتها ما يقارب 2.4 مليون كيلومتر مربع. وخرج الجزائريون بالملايين في المدن والأرياف للاحتفال بالنصر المبين على مدى أسابيع، فيما انكمش جنود الاحتلال وتراجعوا إلى داخل ثكنهم مذعورين من هول الصدمة. ورحل جميع العسكريين الفرنسيين عن التراب الجزائري، وعددهم يزيد على المليون بكثير، خلال أقل من أربعة أشهر، ومعهم معاونوهم من الخونة الجزائريين الذين ساعدوا الاحتلال خلال الثورة. كما رحل مئات الآلاف من المستوطنين الأوروبيين، وحدث خراب غير مسبوق على رأس هرم السلطة بباريس، بلغ حدّ تنظيم انقلاب على الرئيس شارل ديغول في أكثر من مرّة.
في المقابل، أسس الجزائريون هيئة مؤقتة أعدّت استفتاء تقرير المصير في بداية تموز/ يوليو من العام نفسه (1962)، وصوّت أكثر من 98 في المئة من الجزائريين على الاستقلال. أُعلِنَ عن تأسيس الجمهورية الجزائرية الديموقراطية الشعبية في الخامس من تموز/ يوليو، وهو اليوم الذي يُصادف يوم احتلال مدينة الجزائر قبل 132 عاماً. وانتُخب أول مجلس تأسيسي للبلاد وأول رئيس وهو الرئيس أحمد بن بلة، الذي توفي عام 2012، وسنّ أول دستور للبلاد. ودخلت الجزائر عُضواً في الجامعة العربية ومنظمة الأمم المتحدة والوحدة الأفريقية وحركة عدم الانحياز وغيرها من المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية، كدولة كاملة السيادة وشُطِبت الى الأبد عبارة «الجزائر الفرنسية» التي تربت أجيال من الفرنسيين على الاعتقاد بأنّها حقيقة مطلقة. ولا يزال الفرنسيون يخرجون حتى اليوم في مسيرات نكبة ويعتبرون «19 مارس» يوم حداد.