دمشق | تختلط أعداد هائلة من الوجوه في مراكز الإيواء التي أحدثتها الدولة السورية للمدنيين الخارجين من الغوطة الشرقية. زيارة الرئيس بشار الأسد لهؤلاء المنكوبين خففت من الضغط النفسي الذي يعيشونه، أملاً في إيجاد حلّ لمشكلة نزوحهم وتغريبتهم عن ديارهم. بيوتهم ومزارعهم وبعض ذويهم ممّن رفضوا الخروج خشية على منازلهم من «تعفيش» الفصائل المسلحة، كلها هموم تشغل بالهم. مراكز إيواء عديدة أحدثتها الحكومة، أقربها إلى الغوطة مركز إيواء منطقة الدوير، داخل مدينة عدرا، من أجل الأهالي الوافدين عبر المعابر الإنسانية. تضم أسماء، الأرملة العشرينية، طفلها ابن الثلاث سنوات، وتبحث عيناها بين وجوه القيّمين على المراكز المُحدثة عن ودّ قديم. ودّ أبناء البلد الواحد. نسيت المرأة أسلوب الحياة الهادئة التي كانت في منزل والدها في بلدة كفربطنا. عشقها القديم لقريب صديقتها الدمشقي يقلّب مواجعها كلّما سئلت عن حالها ما قبل الحرب. تقول المرأة بحزن: «مع خروج منطقتنا من خريطة البلاد طوال السنوات الماضية، ما كان يمكن أن ننظر بعين الأمل إلى القادم من الأيام. على المرء هُناك أن يكون مع أحلام الخلافة الإسلامية وحكم الشريعة من قبل فصائل متجبرة، أو أن يصمت على مضض بانتظار معجزة ما». بحسب المرأة، إن المسألة لدى الكثيرين لم تكن موالاة للنظام أو معارضة له، بل رغبة في العيش بعيداً عن السياسة وويلاتها المترافقة مع الحرب. «لم يكن لي أن أشتم النظام أو الجيش. كنّا في حالنا.
عناصر الجيش كانوا أسرع المتجاوزين لآثار حرب السنوات السبع

وكانوا يضيقون علينا شيئاً فشيئاً حتى بتنا نحن أيضاً نكره مفردة (حرية) أسوة بمناطق سيطرة الجيش تماماً»، تقول المرأة بأسى. خسرت أسماء كل شيء جراء مقتل زوجها، من غير إيضاحات كثيرة حول السبب أو المسبب. بقيت وحيدة بعد أشهر قليلة من زواجها، لتنزح من منطقة إلى أُخرى كلما اقتربت الاشتباكات. تلمع عيناها الخضراوان حين تقول: «أحنّ إلى زيارة دمشق. أن أعود سنوات مضت إلى الوراء يوم كنتُ صبية حالمة». تتساءل المرأة عمّن أحبته، ونظرته إليها وإلى أهلها اليوم. هي التي لطالما خشيت أن يكون قد قضى جراء قذيفة مصدرها فصائل المنطقة التي تعيش فيها، آملة أن يكون مهتماً لمصيرها عندما يسمع أخبار الغوطة. واقع نساء تلك المناطق كان مريراً، بحسب أسماء. تشاركها القول زوجة أخيها، نادية، إذ فُقد أثر نساء كثيرات بلا أي تفسيرات مقنعة. وتستشهد ابنة جسرين بحكاية أسماء ذاتها، التي حُرمت الارتباط بشاب دمشقي مع اشتعال تظاهرات الغوطة الشرقية، قبل أن تستسلم لإرادة أهلها في الزواج بسواه. وترى نادية، الأم لستة أولاد، أن تثبيت الزواج كان أمراً غير مهم بالنسبة إلى الناس في المنطقة، حيث كان الأهم هو حضور رجل الدين، وإقامة الزواج وفق الشرع، فيما تجاهل الكثير من الرجال تسجيل زواجهم في المحاكم الشرعية التي أقامها المسلحون، في سوابق غريبة من الجهل واللامبالاة.

ينتشر الكثير من أفراد الفرق التطوعية في مراكز الإيواء للقيام بواجبهم تجاه الأهالي الخارجين من الغوطة. وعلى الرغم من تذمر بعضهم ضمنياً جراء إخراج هؤلاء، بحكم الدم الذي سفك بين الدمشقيين وأهل ريفهم، غير أنهم يتجاوزون ذلك، محاولين خدمة الأطفال والنساء كما ينبغي. تقول الطالبة الجامعية المتطوعة نور: «نحن أبناء دولتنا. ونلتف وراءها حتى لو كان الثمن صعباً. أتصرف تماماً مع المقيمين في المراكز كما لو أنهم أقاربي. وأحاول أن أخلق اطمئناناً تجاههم، عندما أرى الخوف في عيونهم من المجهول الذي خرجوا إليه». عناصر الجيش بدورهم كانوا أسرع المتجاوزين لآثار حرب السنوات السبع، على الرغم من كونهم أكثر من دفع فاتورة الحرب. ورغم كل التناقضات التي تحكم السوريين اليوم، فإن العسكريين ظهروا بمظهر الحنوّ على الشعب المنكوب. هذا المظهر لم يكن سائداً لغرض التقاط الصور الفوتوغرافية فقط، بل بدا خارج كوادر الكاميرات مبالغاً به. يقول زياد، جندي من حماه: «لا ذنب للخارجين من جحيم الغوطة في ما تفعله الفصائل. ضعف الناس واضح. مغلوبون على أمرهم، وقد استُخدموا دروعاً بشرية واستُعملوا في هذه الحرب. إنهم بحاجتنا بطريقة أثارت دموع بعضنا». ويضيف: «نحن نمثل المؤسسة التي حازت ثقة المواطنين، رغم محاولات شيطنتنا. هذه المرأة التي تتناول كوب الماء من يدي، تثق بي وببذلتي التي أرتديها. وتلك التي تحمل طفلها وتمد يدها الأُخرى إليّ لمساعدتها في اجتياز ساتر ترابي، تثق بأني لن أخون يدها الممدودة».
ولعلّ بعض الخارجين المدنيين لم يكونوا في خندق الدولة السورية في بدايات الحرب، غير أنهم لم يكونوا ليرحلوا عن الغوطة لولا ضيق حالهم. يرى وسيم، مدرّس لغة عربية من حمورية، أن كثيرين ممن هربوا إلى مناطق سيطرة الجيش حاولوا معارضة حكم الفصائل وتنظيم تظاهرات تطالبهم بتسوية سياسية حقناً لدماء الأبرياء، غير أن «مصالح قادة الفصائل غلبت على المصلحة العامة». يقول بمرارة: «لجأنا إلى دولتنا طالبين العدالة». ويختم بتأثر: «على أمل أن نعود إلى مزارعنا وقرانا وخيرات الغوطة. كما تعود الآن إلى دمشق غوطتُها». الدولة السورية ممثلة بمحافظ ريف دمشق علاء إبراهيم، كانت حاضرة أمس، مع وعود بـ«عودة أهالي مناطق سقبا وكفربطنا إلى منازلهم بعد تحريرها من الإرهاب، إضافة إلى العمل على إعادة إعمار وتأهيل مؤسسات الدولة في المناطق المحررة، بعد إحصاء الأضرار التي خلّفها الإرهاب».