لن يترك ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، فرصة لتذكير الأميركيين بأهمية شراكته معهم. يحاول أن يعقد الصفقات مع واشنطن لأكبر مدة معقولة، بأعلى الأثمان المتاحة، ومهما كلف الأمر. فالسعودية، بالنسبة إلى الأمير الشاب، «أقدم حليف للولايات المتحدة في الشرق الأوسط»، وتربطها معها علاقات تمتد إلى ثمانين عاماً، في إشارة إلى مهد هذه العلاقات: صفقة روزفلت - عبد العزيز. هذا ما يراه ابن سلمان، الذي يضع العلاقات مع «الحليف» في مسارها التاريخي المعهود، والذي يجري تجديد العقد له 10 سنوات إضافية، وربما 20 إن نجحت «صفقة النووي». لكن هل هذا هو رأي الرئيس الأميركي، دونالد ترامب؟

الأخير يرى في ابن سلمان «صديقاً»، كما قال في المؤتمر الصحافي المشترك أمس، ويسعد للوظائف التي يخلقها في بلاده، والمليارات التي تتدفق من ثروة الرياض. وباعتقاد ترامب، حسب تصريحاته لدى استقباله ابن سلمان، فإن العلاقة ساءت أيام سلفه باراك أوباما، لكنها اليوم تتحسن وتفتح الباب على مزيد من الاستثمارات. من يراقب تصريحات كل من ترامب وابن سلمان، يجد نظرتين متفاوِتَتين للعلاقات، المشترك فيهما صفقات بليونية لن تتوقف قبل عقد من الزمن، ويصعب فصل التجاري منها عن السياسي.

على جدول أعمال ابن سلمان زيارات تمتد لثلاثة أسابيع


«العقد الجديد» الذي يظن ابن سلمان أنه يصوغه مستغلاً «فرصة ترامب»، محلّ «عقد النفط» المنصرم، ويغرق به الاقتصاد الأميركي في تشابك معقد يستمر لسنوات، لا مؤشرات إلى الآن على أن واشنطن تمضي فيه إلى ما لا نهاية، ما يجعل الخيارات محدودة أمام ابن سلمان، خصوصاً أن التجربة التاريخية تدلّل على إمكان استفادة واشنطن من موقع السعودية وثرواتها ودورها كلما دعت الحاجة. وعليه، يبقى الرهان السعودي معقوداً على الاستمرار في هذه الصفقات، واستكشاف أسواق جديدة تأخذ بعداً سياسياً، كحديث البرنامج النووي السعودي.
على جدول ابن سلمان زيارات تمتد لثلاثة أسابيع، يتنقل في أثنائها الأمير السعودي بين المدن الأميركية، ويلتقي كبار الماليين في بوسطن ونيويورك، قبل أن ينتقل في ختام الجولة إلى السواحل الغربية للولايات المتحدة، حيث يزور لوس أنجلس. وفي سان فرانسيسكو يلتقي بالمسؤولين عن كبار شركات التكنولوجيا، بينها «غوغل» و«آبل»، كما يعرج على شركة «لوكهيد مارتن» للصناعات العسكرية. ومن ثم على جدول ابن سلمان لقاء في شركة «آمازون» في سياتل، قبل أن يختتم نشاطاته مع شركات الصناعات النفطية في هيوستن.
جدول ولي العهد السعودي، الذي يبدو بعضه تكراراً لجولات سابقة، يفصح عن إصرار على المضي قدماً في طموحاته التي أطلق على أساسها «رؤية 2030». ولا شك في أن التغلغل في قطاعات الولايات المتحدة كافة، وإغراق كبرى الشركات الأميركية في الاقتصاد السعودي، أمران يعزّزان من فرص نجاح الرهان السعودي على تمتين الشراكة مع الأميركيين، وضمان عدم تركها عرضة لمواقف قد تتبدل مع الإدارات المتعاقبة على البيت الأبيض. ومع أن ابن سلمان سيجول على الشركات المالية في بوسطن، إلا أن الحديث عن طرح «أرامكو» في بورصة نيويورك تراجع في الآونة الأخيرة، وسط معلومات عن تأجيل المشروع لأسباب غامضة حتى الآن.
لكن الصفقة الجديدة، الأشد تعقيداً، والتي حلّت محل الحديث عن طرح «أرامكو» للاكتتاب العام، هي الطموحات النووية لصاحب «2030»، عبر الدفع قدماً بانخراط الأميركيين في مشروع سعودي لبناء 16 مفاعلاً نووياً بميزانية تقارب 100 مليار دولار، على مدى الأعوام العشرين المقبلة، وتحت وطأة منافسة روسية وصينية وفرنسية. مشروع تحول دونه عثرات أمنية وسياسية، أبرزها إصرار السعوديين على عدم توقيع أيّ اتفاق يمنعهم من تخصيب اليورانيوم مستقبلاً، الأمر الذي لا يحظى اليوم بترحيب دوائر القرار الأميركي.
(الأخبار)