خلال حواره الذي امتدّ لساعة كاملة، ردّ الرئيس عبد الفتاح السيسي، على بعض المواضيع التي أثارها مواطنون في تقرير مصوّر تم إعداده مُسبقاً. أول المواضيع التي اعترض الكثيرون عليها، يتمثل في انتفاء التنافس الانتخابي. قال السيسي: «بعض المواطنين يقولون إنّهم يعلمون بأنّه (السيسي) سوف ينجح في الانتخابات، ولكن كنا نريد أكثر من مرشح معه، (ليجيب) بأنّ هذا الموضوع ليس لي أي ذنب فيه... (كنت أتمنى) أن يكون هناك عشرة مرشحين ليختار الناس من بينهم». وبالسؤال عن سبب عدم حدوث ذلك، أجاب: «إحنا لسة مش جاهزين وده مش عيب».

إجابة السيسي دفعت الكثيرين نحو استرجاع ما حدث خلال الشهور الماضية، مع كل من أعلن خوضه الانتخابات الرئاسية. بدايةً من رئيس الوزراء وقائد القوات الجوية الأسبق أحمد شفيق، الذي تمّ احتجازه في الإمارات «الحليف الأقرب للسيسي» عقب بثّه مقطع فيديو يُعلن فيه عزمه على الترشح، تبعه مقطع آخر أعلن فيه عن احتجازه من قبل السلطات الإماراتية، وهو ما أعقبه ترحيله إلى مصر والتحفظ عليه من قبل الأجهزة الأمنية في أحد الفنادق مع تشديد الرقابة عليه وعزله عن وسائل الإعلام، أو عن أيّ من المقربين منه، في ظلّ ممارسة ضغوط عليه من قبل النظام حتى خرج وأعلن تراجعه عن الترشح. ثم الفريق سامي عنان، رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق، الذي تم القبض عليه من داخل سيارته والتحقيق معه من قبل النيابة العسكرية قبل حبسه في السجن الحربي بتهمة إعلانه الترشح للانتخابات الرئاسية من دون الحصول على موافقة القوات المسلحة، على الرغم من أنّه أعلن أنه قد ترشح عام 2014 ولم يحدث معه ذلك، وعلى الرغم من أنه حتى لحظة القبض عليه لم يكن قد قدّم أوراق ترشحه للجنة العليا للانتخابات.
ما حدث مع عنان كان قد تمّ بشكل أكثر قسوة مع العقيد أحمد قنصوة، وهو الضابط بالقوات المسلحة الذي تم القبض عليه وحُكِم عليه بالسجن 6 سنوات بتهمة إعلانه العزم على الترشح للانتخابات الرئاسية، وذلك بعد رفض القوات المسلحة عدة طلبات منه للتقاعد من المؤسسة ليتمكن من الترشح وبعد إقامته عدة دعوات قضائية تمكنه من ذلك.
كذلك كانت الحال شبيهة مع رئيس «حزب الإصلاح والتنمية» والنائب البرلماني السابق محمد أنور السادات، الذي تمّ فرض تضييق وحصار أمني عليه، عرقلا حتى مساعيه لعقد مؤتمر صحافي للإعلان عن الترشح. وبعد عدة محاولات خرج ليُعلن تراجعه عن نية الترشح. وهذا ما حصل تقريباً مع الحقوقي خالد علي، وهو رئيس الفريق القانوني الذي حصل على عدة أحكام بأحقية مصر في جزيرتي تيران وصنافير اللتين تنازل عنهما السيسي للمملكة العربية السعودية بموجب اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية.

برر السيسي انتفاء المنافسة، بالقول «إحنا لسة مش جاهزين»


النقطة الثانية التي أثارت اعتراض بعض المتابعين، تتمثّل في حديث السيسي عن الاقتصاد المصري في الفترة الممتدة من الخمسينيات إلى السبعينيات، إذ قال الرئيس الذي استهلّ حواره بالحديث عن حبه للتاريخ كأكثر مادة دراسية في حياته وعدم انشغاله بما سيكتبه التاريخ عنه، بأن الاقتصاد كان جيداً في الخمسينيات، ولكن منذ عام 1962، قال إنّ حادثتين أثرتا عليه: الأولى هي المشاركة في حرب اليمن التي «ضاع فيها كلّ الغطاء الذهبي للدولة المصرية»، والثانية في عام 1967 حين دخلت الدولة في أزمة كبيرة ــ يقصد بها هزيمة 1967 ــ، «فتجمدت الدولة من عام 1967 حتى عام 1977، واحتمل الناس ضيق المعيشة تحت شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة... (وفي 1977) دخلنا في عملية السلام وبدأ الرئيس السادات في خطته لإصلاح الاقتصاد».
جدير بالذكر، أنّه في بداية الحوار، قال الرئيس المصري إنّ تقلده لهذا المنصب لم يراوده يوماً «في أحلام اليقظة»، وإنّما كان هناك «سرّ آخر» فضّل عدم الكشف عنه. وبينما استهل حواره بالحديث عن التاريخ و«تزوير التاريخ»، فإنّه خصص جزءاً كبيراً من الحوار للحديث عن تاريخ مصر في الفترة بين الخمسينيات والسبعينيات وهو الجزء الذي امتلأ بالكثير من المغالطات، أغلبها ضد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وتُمجّد الرئيس أنور السادات.
في حديث إلى «الأخبار»، يشير عبد العزيز الفضالي، وهو عضو المكتب السياسي لحزب «تيار الكرامة»، إلى «الكثير من المعلومات المغلوطة في حديث الرئيس»، إذ يعتبر أنّه «يتجاهل عمداً أو جهلاً أنّ الذهب الذي تم توزيعه على قبائل اليمن، كان من أموال الملك المخلوع سعود بن عبد العزيز الذي خلعه أخوه الملك فيصل عن العرش وعاش لاجئاً في مصر، وكان يريد استرداد عرشه عبر محاربة أخيه في اليمن، وهو الذي حوّل جزءاً من أمواله إلى عملات ذهبية وسافر بنفسه مع وفد مصري إلى اليمن لمقابلة زعماء القبائل هناك، وما قاله الرئيس عن تبديد احتياطي مصر من الذهب هو خرافة أطلقها ورددها جماعة الإخوان وآل سعود إبّان الستينيات، وأنصحه بالعودة إلى دراسة رئيس البنك المركزي المصري الأسبق علي نجم، التي فنّد فيها بالأدلة والوثائق تلك الخرافة».
يكمل الفضالي قائلاً «يبدو أن السيّد الرئيس لم يطّلع على تقرير البنك الدولي رقم 870 ــ أ، الذي أكد أن القرارات الاشتراكية لثورة يوليو والإجراءات السياسية والاقتصادية المتبعة (نجحت في) تحقيق نسبة نمو وصلت إلى سبعة في المئة خلال عشر سنوات، أي منذ 1957 حتى 1967، وهي النسبة التي تساوي 4 أضعاف ما حققته مصر من تنمية خلال الأربعين عاماً السابقة لثورة يوليو، وأن تلك النسبة من النمو لم يكن لها مثيل بالعالم، سوى في اليابان وألمانيا الغربية ومجموعة الدول الشيوعية». ويضيف أنّه «بعد نكسة 1967 التي ادّعى الرئيس أنّها كانت سبباً لتدمير الاقتصاد المصري، فقد استطاعت مصر الحفاظ على نفس معدل النمو قبل الحرب، بل زادت نسبة النمو خلال عامي 1969 و1970 لتصل الى 8%، كما تمكنت مصر من استكمال بناء السد العالي، وهو أعظم مشروع تنموي في القرن العشرين، وتمّ بناء مجمع مصانع الألومنيوم... وحققت الميزانية المصرية فائضاً لأول وآخر مرة في تاريخها، قُدِّر بـ 46.9 مليون جنيه». ويقول الفضالي: «أحب أن أضيف للرئيس، أنّ مصر وهي تودّع عبد الناصر كانت تمتلك فائضاً من العملة الصعبة قيمته 250 مليون دولار، وذلك بشهادة البنك الدولي، وأنّ الاقتصاد المصري كان أقوى من اقتصاد كوريا الجنوبية، وأنّ معدلات التنمية كانت نسباً واقعية حقيقية انعكست في أن أصبحت مصر خلال الستينيات أكبر قاعدة صناعية في دول العالم الثالث، وانعكست النهضة الاقتصادية على مستوى التعليم، والصحة، والزراعة، والإسكان والمرافق، وغيرها».
يلفت الفضالي أيضاً، إلى أنّ «أوضاع (الدولار بالنسبة إلى العملة المصرية) لم تتدهور إلا في نهاية السبعينيات في ظلّ سياسة الانفتاح، إذ بدأت قيمة الدولار تزداد، كما أهميته، ليساوي 60 قرشاً، أي فقد الجنيه المصري نصف قيمته، وذلك بعدما بدأت مصر في الانبطاح للدولار وهيمنته وخططت للتفريط في أصولها».