لا أهمية كبيرة للأسباب التي أدت إلى استقالة بعض الوزراء في حكومة أحمد عبيد بن دغر. ولا أهمية كذلك لحالة التذمر والاعتراض على آلية عمل «المجلس الانتقالي الجنوبي» ووضع رئيسه الملزَم بالإقامة في أبو ظبي. كذلك لا قيمة سياسية أو حتى أخلاقية ومعنوية للاعتراف بأن «التحالف» يتعمد سلب القرار السياسي الوطني والسيادي للبلاد. ذلك أن الشخصيات المستقيلة تبحث عن تحسين شروط استمرارها في السلطة، أو أنها ترفع نبرتها بوجه إحدى دول «التحالف» لتقدم عروضاً لدولة أخرى فيه. الأهمية الفعلية للاستقالات في حكومة بن دغر، والاعتراف بالتباينات داخل «المجلس الانتقالي»، أنه شهادة من داخل المنظومة الحاكمة التابعة لـ«التحالف» على عمق مأزقها، وفشل تركيبتها البنيوية في إدارة الدولة، ومدى تغول وصاية الخليجيين في الكيانات اليمنية التابعة لهم، وحجم الامتهان والتبعية التي تتحكم بالقرار وسيادة البلاد، بل حتى بأدنى التفاصيل.

لم يعد التذمر والاستياء يقتصر على الجهات المعارضة للاحتلال الخليجي لأجزاء واسعة من اليمن، ولا سيما في المحافظات الجنوبية، بل انتقل الرفض والاحتجاج إلى داخل منظومة «التحالف» من القوى المحلية التابعة له، خصوصاً «الشرعية» ممثلة بحكومة الرئيس المنتهية ولايته عبد ربه منصور هادي والممولة حالياً من السعودية، و«المجلس الانتقالي الجنوبي» المموَّل من الإمارات. ولعل دوافع الاعتراض على سياسة «التحالف» هي أبرز مشتركات الطرفين المحليين اللذين يقودان دفة الإدارة الحكومية والمحلية. ولئن كان الطرفان (الشرعية والانتقالي) يكنان لبعضهما البعض الخصومة والعداء، وكانا خاضا معركة قاسية نهاية كانون الثاني/ يناير الماضي في عدن، أدت الى مقتل ما لا يقل عن خمسين شخصاً من الطرفين، وهما لا يزالان يخوضان حرب إلغاء سياسية وأمنية للسيطرة على المناصب والنفوذ، إلا أن شخصيات محسوبة على الطرفين بدأت ترفع أصواتاً احتجاجية على ما آلت إليه البلاد جراء سياسة دول «التحالف».

أهمية المواقف الأخيرة أنها صادرة من داخل منظومة «التحالف»


أبرز تلك الشخصيات، وزير الدولة في حكومة بن دغر، صلاح الصيادي، الذي لمّح، في تصريح في العاشر من الشهر الجاري، إلى أن رئيسه خاضع للإقامة الجبرية، داعياً اليمنيين إلى تظاهرات واسعة للمطالبة بعودته. صراحة لم ترُق قيادة «التحالف» التي أفادت أنباء بأنها أوعزت إلى الصيادي بمغادرة عدن على عجل، قبل أن تسري معلومات عن سفره إلى القاهرة بدلاً من الرياض. لكن الرجل تابع «تحدّيه» بمنشور على «فايسبوك» قال فيه إن وعده لمدينة عدن «التي أحبها بأنه سيعود إليها كرجل دولة أو فاتحاً». ويوم أمس، قدم الصيادي استقالته التي جاء بيانها مدوياً، وولّد ارتدادات في الأوساط الشعبية والرسمية. إذ تضمن البيان اعترافاً بالحقائق «المرة» التي يعرفها كل أبناء المحافظات الرازحة ترزح تحت سلطة قوات السعودية والإمارات. ولا فضل للوزير المستقيل في ذلك، فقد سبقه الكثير من اليمنيين على اختلاف انتماءاتهم ومناطقهم في فضحها، لكن الميزة الوحيدة لـ«صحوة الضمير» المتأخرة هذه أنها صادرة عن شاهد عيان من داخل المنظومة الحاكمة. ولعلّ الأبرز في بيان الصيادي تشديده على أن «القرار السياسي الوطني والسيادي مسلوب كأدنى حق للمؤسسات الشرعية»، وحديثه عن «التقويض المتعمد لمؤسسات الدولة، وبناء التشكيلات الميليشياوية على حساب الجيش الوطني»، فضلاً عن «انحراف بعض أطراف التحالف العربي عن هدف دعم (إعادة) الشرعية إلى اليمن». ويبقى الأهم في بيان الاستقالة هو الاعتراف الصريح بأن العلاقة بين «التحالف» و«الشرعية» باتت «غير متكافئة وغير طبيعية، وانتقلت من الشراكة إلى التبعية التامة».
وسبقت استقالة الصيادي استقالة نائب رئيس الوزراء، وزير الخدمة المدنية في حكومة هادي، عبد العزيز الجباري، احتجاجاً على ما عدّه «إهانة التحالف للشرعية»، وتحول العلاقة بينهما إلى «علاقة تابع ومتبوع». وكان وزير النقل، صالح الجبواني، قد هاجم «التحالف»، وبالتحديد الإمارات، متهماً إياها بالخروج عن أهداف «التحالف»، وبإدارة مشروع خاص بها في شبوة، وذلك على خلفية منعه من افتتاح ميناء في المحافظة النفطية من قبل «النخبة الشبوانية» التابعة لأبو ظبي.
ولم تتوقف حالة الاعتراض على الطرف المُموَّل من السعودية، بل خرجت أيضاً مواقف مماثلة من شخصيات أخرى محسوبة على الإمارات، وإن بنبرة أقل حدة. من هؤلاء عضو «المجلس الانتقالي»، ناصر خبجي، الذي اعترف بوجود «تباينات حول مواقف المجلس وعلاقاته مع الأطراف المحلية والاقليمية»، متحدثاً عن «غياب الشفافية والرؤية، وكذلك الانفراد والوصاية بقرارات المجلس، وهذا غير مقبول ويجب أن يُصحَّح».