تتعمّق، يوماً بعد يوم، الأزمة بين حكومة الرئيس المنتهية ولايته، عبد ربه منصور هادي، وقيادة «التحالف» الذي تتزعمه السعودية، على خلفية «تطنيش» الأخيرة لـ«الشرعية» التي تخوض الحرب باسمها منذ 3 سنوات. تعمّقٌ يعزّز احتمالات حدوث تحولات سياسية أكبر في المشهد الذي أرسته حرب آذار/ مارس 2015، ويساعد على إزاحة عقبة من طريق المفاوضات عبر استبعاد الذريعة الرئيسة التي يبرر بها «التحالف» عملياته ويرهن انتهاءها بانتهاء الأولى. لكن استمرار الرياض وأبو ظبي في مساعيهما إلى «تهجين» كيان بديل من «شرعية هادي»، وتلقيهما - وفق ما أوحى به اللقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وولي العهد السعودي محمد بن سلمان - ضوءاً أخضر للمضي في تكتيكاتهما، يجعل جهود المبعوث الأممي الجديد، مارتن غريفيث، ومعها مساعي الاتحاد الأوروبي محفوفة بالكثير من الشكوك.

وبلغ التوتر على خط «الشرعية» - «التحالف»، خلال اليومين الماضيين، أوجه، مع استقالة وزير الدولة في حكومة هادي، صلاح الصيادي، من منصبه، عقب ساعات فقط من إعلان نائب رئيس الوزراء، وزير الخدمة المدنية، عبد العزيز جباري، استقالته هو الآخر. وفي تصريحات هي الأولى من نوعها على لسانه، كرّر جباري، الثلاثاء، ما كان قد لمّح إليه الصيادي من أن الرئيس المستقيل شبه محتجز في العاصمة السعودية الرياض. إذ قال، في مقابلة مع قناة «اليمن» الفضائية، إن «هادي لا يستطيع العودة إلى عدن. أتمنى أن يعامَل باحترام»، مشدداً على ضرورة «تصحيح علاقتنا مع التحالف العربي، لكي لا تكون علاقة تبعية». وكان جباري قد أعلن، الاثنين، عقب عودته من القاهرة التي اعتكف فيها قرابة شهرين، استقالته، وذلك خلال اجتماع هادي بمستشاريه في الرياض.
خطوة يبدو أنها شجعت الصيادي على اتخاذ قرار مماثل بعد نحو 10 أيام من إدلائه بتصريح أقرّ فيه، ضمنياً، بأن الرئيس المنتهية ولايته رهن الإقامة الجبرية في العاصمة السعودية. إذ أكد الصيادي، أمس، في منشور على «فايسبوك»، استقالته من الحكومة «بصورة نهائية»، قبل أن يصدر بياناً مُطوّلاً اتهم فيه «التحالف» بـ«عدم تمكين هادي من العودة إلى أيٍّ من المناطق المحررة، وعرقلة جهود الحكومة في تطبيع الحياة، وعدم الجدية في إعادة إعمار اليمن، والتقصير في توفير الخدمات الأساسية». وتأتي استقالتا جباري والصيادي في وقت يلفّ فيه الغموض مصير وزير النقل في حكومة هادي، صالح الجبواني، الذي تفيد بعض المعلومات بمغادرته العاصمة المصرية القاهرة إلى العاصمة البريطانية لندن للإقامة هناك، بعد أيام من إخراجه من مدينة عدن بتوجيهات من «التحالف» على خلفية تصريحات وجّه فيها انتقادات لاذعة إلى الإمارات.

أعلن غريفيث أنه يُعدّ لـ«عملية سياسية شاملة»


وتتزامن موجة الاستقالات هذه مع بدء المبعوث الأممي الجديد جولته الأولى على الدول المعنية بالأزمة اليمنية، ما يمكن عدّه نقطة مضافة إلى مصلحة «أنصار الله»، بالنظر إلى حالة التضعضع المسيطرة على المعسكر المناوئ لها، في مقابل تمكّنها، هي وحلفائها، من تجاوز الأزمة التي عصفت بصنعاء عقب انفجار الخلافات مع الرئيس الراحل علي عبد الله صالح. إلا أن المؤشرات الصادرة من واشنطن تنبئ بأن أمام غريفيث مساراً طويلاً، ريثما تتبلور إرادة سياسية جادة وحقيقية لإنهاء الحرب. إذ أعلن البيت الأبيض، أمس، أن ترامب بحث مع ابن سلمان ما سمّاه «الخطر الذي يمثله الحوثيون على المنطقة، بمساعدة الحرس الثوري الإيراني»، مضيفاً أن «الزعيمين بحثا (كذلك) الخطوات الإضافية اللازمة للتعامل مع الوضع الإنساني، واتفقا على أنّ من الضروري التوصل إلى حل سياسي للصراع في نهاية المطاف، لتلبية حاجات الشعب اليمني». موقف موارِب يوحي بأن ما سيجري العمل عليه في المرحلة المقبلة هو مجرد معالجات جانبية تستهدف تخليص السعودية من الضغوط المتصاعدة عليها، مع استمرار الغطاء السياسي والدبلوماسي الممنوح لها، والدعم المادي واللوجستي والاستخباري لعملياتها. وذلك هو ما ثبّته الكونغرس الأميركي، ليل الثلاثاء - الأربعاء، بتصويته بأغلبية 55 عضواً ضد مشروع قرار يدعو إلى وقف الدعم المذكور، بعد مناقشة «حامية» دافع خلالها زعيم الأغلبية الجمهورية، ميتش ماكونيل، عن سياسة ترامب بقوله إن القوات الأميركية «لا تشارك في تبادل إطلاق النار مع قوات معادية».
وواصل غريفيث، أمس، جولته على القيادات السياسية اليمنية الموجودة في الرياض، حيث التقى رئيس الهيئة العليا لحزب «التجمع اليمني للإصلاح»، محمد اليدومي، الذي أكد «دعم الحزب لجهود المبعوث الأممي»، مشدداً على ضرورة أن «تستند أي مشاورات إلى المرجعيات المتفق عليها»، فيما أعلن المبعوث الأممي أنه «يحضر لعملية سياسية شاملة في اليمن وفق تلك المرجعيات»، معرباً عن «تفاؤله الكبير بالمضي قدماً لتحقيق تطلعات الشعب اليمني». وكان غريفيث قد التقى، الثلاثاء، الرئيس المستقيل، الذي اتهم «أنصار الله» بـ«التشدد ورفض تنازلات» حكومته، فيما أكد الأول أنه «سيبذل جهوداً مضاعفة لإحلال السلام».
وتترافق جولة غريفيث مع زيارة استمرت 3 أيام لوفد دبلوماسي أوروبي إلى العاصمة صنعاء، «ضمن جهود الاتحاد الأوروبي لإيجاد تسوية سياسية دائمة»، وفق ما صرحت به رئيس بعثة الاتحاد في اليمن، أنطونيا كالفو بيورتا. واجتمع الوفد، في آخر لقاءاته أمس، بممثلين عن فصائل الحراك الجنوبي التي شاركت في مؤتمر الحوار الوطني. والتقى رئيس المجلس السياسي الأعلى، صالح الصماد، الذي أكد «حرصنا على تقديم كافة التسهيلات للمنظمات الدولية في الجانب الإنساني»، بينما حذرت بيورتا من أن «الصراع القائم لا يخدم الشعب اليمني، بل يساهم في تقوية القوى المتطرفة في جنوب اليمن». وكانت بيورتا قد شددت، في بيان الثلاثاء، على ضرورة أن «تتوقف الحرب إذا أردنا لهذه الأزمة الإنسانية غير المسبوقة أن تنتهي»، داعية الأطراف كافة إلى «الانخراط بنيات حسنة في جهود المبعوث الخاص للأمم المتحدة».