على المستويات كافة، يريد ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، استغلال زيارته إلى الولايات المتحدة، من أجل تصوير المملكة بلداً رائداً في مكافحة التطرف، وبالتالي كسب رضا الأميركيين الذين أضحى شعار «الحرب على الإرهاب» بضاعتهم الأكثر رواجاً في هذه الأيام. ضمن هذا الإطار فقط، تمكن قراءة التصريح الذي أدلى به أمس وزير التعليم، أحمد بن محمد العيسى، والذي أعلن فيه أن وزارته ستعزّز جهودها «في محاربة الفكر المتطرف من خلال إعادة صياغة المناهج الدراسية». لكن العيسى سرعان ما أوضح مقصوده بـ«الفكر المتطرف» باستدعائه الشماعة التي بات مسؤولو العهد «السلماني» يعلّقون كل لوثاتهم عليها: «الإخوان المسلمون».

أكد العيسى، في بيان، أن وزارته تعمل على «تطوير الكتب المدرسية» بما يضمن «خلوها من منهج جماعة الإخوان المحظورة»، مضيفاً أنه سيتم «منع الكتب المحسوبة على الجماعة في جميع المدارس والجامعات، وكذلك إبعاد كل من يتعاطف معها أو مع فكرها ورموزها من أي منصب إشرافي أو من التدريس». إعلان يأتي ترجمة لما كان ابن سلمان أعاد التشديد عليه عشية زيارته واشنطن، عندما قال، في مقابلته مع «سي بي أس» الأميركية، إن «المدارس السعودية تعرضت لغزو من قبل عناصر جماعة الإخوان المسلمين، ولا يزال البعض منهم موجوداً»، متوعّداً بـ«القضاء عليهم نهائياً في القريب العاجل». توعّد أرفقه الأمير الشاب بتكرار لازمته عن أن بلاده كانت «تعيش حياة طبيعية قبل عام 1979»، وأن ما جرى، بعد ذلك التاريخ، هو «(أننا) كنا ضحايا لبعض الممارسات الدينية».
هذه السردية الموارِبة، التي يغفل ابن سلمان من خلالها حقيقة تجذر الفكر المتطرف في المملكة منذ وطأت قدما محمد بن عبد الوهاب أراضيها، أراد ولي العهد تثبيتها حقيقة لدى الرأي العام الغربي منذ أن لمع نجمه في المملكة، عبر إحيائه مصطلح «الصحوة» الذي سطع إبان ثمانينيات القرن الماضي، وإلصاقه كل ما تحتويه المملكة من عُدّة تكفير بوجوه هذا التيار. إثر ذلك، بدأت حملة شرسة على دعاة التيار المذكور ووجوهه، وفي مقدمهم سلمان العودة وعوض القرني وعلي العمري، الذين زُجّ بهم إلى جانب آخرين في السجون، توازياً مع اتخاذ مؤشر التوتر بين السعودية وبين المرجعية السياسية لـ«الإخوان» في المنطقة (تركيا) مساراً تصاعدياً. اليوم، يواصل ابن سلمان سياسته تلك في وقت يُصعِّد فيه نزعته العدائية ضد تركيا، باعتباره إياها أحد أضلع «مثلث الشر» في المنطقة، محاوِلاً بالتكتيكات المتقدمة تحقيق هدف مزدوج: إضعاف الأذرع «الإخوانية» التي يعتبرها تهديداً له مع ما ينطوي عليه الأمر من رسائل لأنقرة، وفي الوقت نفسه تصوير السعودية بوصفها «واحة الانفتاح والإسلام المعتدل» التي تم «الانقضاض» عليها عقب انتصار الثورة الإسلامية في إيران.

تستبطن خطوات ولي العهد غايات سياسية وكيدية


هدفان سبق لسلطات العهد «السلماني» أن اتخذت خطوات أخرى باتجاههما. ففي شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، أعلنت جامعة محمد بن سعود، التي تُعدّ من أبرز جامعات المملكة، أنها تعتزم فصل المدرّسين المتأثرين بـ«فكر الإخوان الإرهابي»، أو المنتمين للجماعة أو الداعمين لمنهجها أو المتعاطفين معه. وفي شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أطلقت الجامعة برنامجاً يتضمن فعاليات وبرامج بهدف الكشف عن «خطر تغلغل عناصر جماعة الإخوان» في وحدات الجامعة المختلفة، و«استغلالهم إياها لتحقيق أهدافهم». لكن تلك الخطوات لم تفلح في إقناع المنظمات الدولية بصدقية السعودية في القضاء على «الفكر المتطرف».
هذا ما أوحى به التقرير السنوي الصادر عن منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في كانون الثاني/ يناير الماضي، والذي جاء فيه أن «الحكومة السعودية تميّز دائماً ضد الأقليات المسلمة، لاسيما الشيعة الإثني عشرية والإسماعيلية، بما في ذلك في التعليم الرسمي، النظام القضائي، الحرية الدينية والتوظيف». وكانت المنظمة أشارت، في إفادة في أيلول الفائت، إلى أن المنهاج الديني في وزارة التربية يحمل «لغة مبطنة لوصم الممارسات الدينية الشيعية بأنها شرك أو غلوّ في الدين».
إزاء ذلك، تبدو خطوات ابن سلمان أشبه بـ«الاستعراض» الذي «يظلّ تأثيره ضعيفاً على أرض الواقع»، على حد تعبير مستشارين تربويين، لسببين رئيسين: أولهما أن تلك الخطوات تستبطن غايات ذات طابع سياسي وكيدي ودعائي، وهذا ما ينعكس سلباً على فاعليتها إن لم يؤدّ إلى تبعات عكسية. وثانيهما أن «محراث» ولي العهد، إن صحّ التوصيف، لا يصل إلى الأرضية المتجذرة فيها نبتة التطرف، إنما يقتصر على عمليات تشذيب ترافقها «بروبغندا» واسعة، الأمر الذي يهدّد أصل «الرؤية» التي ينظّر لها ولي العهد. وما المصير الذي آل إليه برنامج «فطن»، الذي كان يُراد منه «وقاية المجتمع السعودي من المهددات الأمنية والاجتماعية والثقافية»، سوى دليل واضح على ما تقدم. إذ لم تكد تمرّ فترة وجيزة على إنعاشه بتعيين سعد المشوح مديراً جديداً له (أواخر 2017)، حتى أُعلن إيقاف خطته التشغيلية، وحلّ هيكله التنظيمي - بعد عمليات إبعاد طالت عدداً من مشرفيه - بسبب ما سُمّيت «مخالفات». وهو ما رأى فيه مراقبون دليلاً على «حجم التحديات التي تواجهها السعودية من أجل إصلاح نظامها التعليمي المحافظ».