بعد ما يقارب الشهر على بدء العمليات العسكرية للجيش السوري في غوطة دمشق الشرقية، رجحت كفّة التسويات مدفوعة بمجريات الميدان، ودخلت مدينة حرستا، اتفاقاً لحل ملف حصارها، يقضي بخروج رافضي التسوية مع الجانب الحكومي، من مسلحين وعوائلهم، إلى الشمال السوري. الاتفاق جاء بعد جولات متعددة من المفاوضات التي قادها الجانب العسكري الروسي مع «حركة أحرار الشام»، ليكون الأول من ضمن جملة اتفاقات متوقعة في جيبي الغوطة الآخرين، مع كل من «جيش الإسلام» و«فيلق الرحمن». الوصول إلى هذه النقطة كان الهدف الأول للقوات الحكومية التي تحرّكت لإنجاز العزل الجغرافي، تمهيداً لفصل ملفات التفاوض. وبرغم محاولات الفصائل المسلحة لاستجلاب غطاء دوليّ، عبر قرار في مجلس الأمن، لوقف التقدم الميداني، وصل الجيش إلى البلدات والمدن المحاذية لأحياء دمشق الشرقية، وسيطر على عدد كبير منها، وسط خروج لأعداد كبيرة من المدنيين وانسحابات متتالية للمسلحين. وسرّع الضغط الشعبي في بعض البلدات دخول الجيش من دون معارك مع الفصائل ضمنها، فيما تكفّل الضغط الميداني الكبير بتحقيق ذلك في بلدات أخرى.

ومن المتوقع أن يتبع «نجاح» اتفاق التسوية الخاصة بمنطقة حرستا، بإعلان إنجاز اتفاقات مشابهة في عربين ومحيطها من جهة، ودوما من جهة أخرى. إذ تتواصل المحادثات مع ممثلين عن «فيلق الرحمن» و«جيش الإسلام»، بنحو منفصل، وسط أجواء إيجابية توحي بقرب الوصول إلى تفاهمات مشتركة، خاصة أنه جرى القفز على عدد من النقاط الإشكالية مثل مطالبة بعض الفصائل بالخروج نحو المنطقة الجنوبية (درعا وريفها)، وذلك بعد إصرار من قبل دمشق على رفض أي عملية إجلاء سوى نحو الشمال، ملوّحة بخيار الحسم العسكري، الذي بات رهاناً خاسراً للفصائل المحاصرة مع آلاف المدنيين، من دون وجود أي قنوات إمداد، على عكس الحال في سنوات الحرب الماضية. وفي تفاصيل الاتفاق الخاص بمنطقة حرستا، يفترض أن يُنقَل أكثر من ألف من المسلحين، يرافقهم بضعة آلاف من عوائلهم، نحو الشمال، برعاية الهلال الأحمر العربي السوري وضمانة من الجانب الروسي، على أن تجري عملية الإجلاء على أكثر من دفعة. وبعد إتمام المرحلة الأولى، يفترض أن تُسوَّى أوضاع المسلحين والمدنيين الراغبين في البقاء بالمدينة، وفق ما جرى في مناطق سابقة وقّعت اتفاقات تسوية. وشهد يوم أمس خروجاً لبعض المسلحين من معبر مديرية الموارد المائية، جنوب حرستا، إلى مناطق سيطرة الجيش السوري، وتسليمهم لأسلحتهم بغية تسوية أوضاعهم. كذلك قام التوافق على أن يقوم الهلال الأحمر بإجلاء نحو 20 حالة صحية من المدينة، لتلقي العلاج في المشافي الحكومية.

أنقرة: تفاهمنا مع واشنطن حول منبج من دون اتفاق نهائي


وعلى الجانب الآخر، أكدت «حركة أحرار الشام» التوصل إلى الاتفاق، الذي يفترض أن يدخل حيّز التنفيذ صباح اليوم. وقال المتحدث باسم «الحركة» في منطقة الغوطة، منذر فارس، في حديث لوكالة «فرانس برس» إن الاتفاق «يقضي بخروج الثوار من المدينة بسلاحهم مع من يرغب من المدنيين... بضمانات روسية». وبالتوازي تتواصل المحادثات بين الجانب الروسي و«جيش الإسلام»، إلى جانب مشاركة وفود محلية، للتوافق على وضع مدينة دوما ومحيطها، فيما تستمر المعارك في الجيب الجنوبي الذي يسيطر عليه «فيلق الرحمن»، وسط تقدم للجيش ضمن وادي عين ترما. وتقدم الجيش خلال اليومين الماضيين، ليسيطر على نحو 70 في المئة من مساحة المزارع ضمن الوادي المحاذي للبلدة من الجهة الجنوبية. ويفترض أن يحكم سيطرته على كامل الوادي خلال وقت قصير، ليتحرك بعدها ضمن البلدة لإتمام عزل حيّ جوبر الدمشقي. ومع ارتفاع عدد الشهداء الذين قضوا جراء القذائف التي سقطت في حيّ كشكول في جرمانا، إلى 44، متأثرين بالجراح التي أصيبوا بها، سقطت أمس عدة قذائف على محيط منطقة العباسيين، من دون أن يُعلن سقوط أية إصابات بشرية.
وفي ضوء تطورات الغوطة وما يجري في الشمال والشرق السوريين، تحدث رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، جوزيف دانفورد، للمرة الثانية خلال أقل من عشرة أيام، مع نظيره الروسي فاليري غيراسيموف. ونقلت شبكة «سي إن إن» عن المتحدث باسم دانفورد، باتريك رايدر، قوله إن «المحادثة ركزت على سوريا والقضايا الأخرى ذات الاهتمام المشترك... واتفقا على إبقاء تفاصيل محادثتهما خاصة». وجاء الاتصال بعد تصعيد في التصريحات على خلفية تهديدات أميركية ــ مشروطة ــ باستهداف مواقع حكومية سورية، وفي ضوء توتر تشهده خطوط التماس بين الجيش السوري وقوات «التحالف الدولي» شرق نهر الفرات، إذ أوضح المتحدث باسم «التحالف» ريان ديلون، أول من أمس، أنه يجري التواصل مع الجانب الروسي لمنع التصعيد، مشيراً إلى أن «التحالف» يراقب تحركات القوات الموالية للحكومة السورية هناك «عن كثب». وترافق التواصل الأميركي ــ الروسي حول الملف السوري، وخاصة وضع المنطقتين الشمالية والشرقية، مع تصريحات تركية لافتة. إذ أوضح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أن بلاده والولايات المتحدة توصلتا إلى «تفاهمات» على ضرورة إحلال الاستقرار في منبج ومناطق شرق الفرات، لا إلى «اتفاقية» نهائية. وأضاف أن انسحاب «وحدات حماية الشعب» الكردية من منبج لا يكفي بالنسبة إلى تركيا، بل سيأتي الدّور على المدن الأخرى بعده. التلويح التركي المتكرر بتحرك ضد «الوحدات» في شرق الفرات، حضر أمس في حديث للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اكد فيه أن بلاده «لن تتوقف في سوريا حتى يتم القضاء على التهديد الإرهابي»، موضحاً أن «منبج هي المكان الأول». وبدا لافتاً أمس، في سياق متصل، انتقاد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، للعدوان العسكري التركي على عفرين. إذ قالت أمام البرلمان إنه «رغم كل المصالح الأمنية التركية المشروعة، إلا أن ما يحدث في عفرين غير مقبول حيث يُضطهد الآلاف ويموتون أو يجبرون على الفرار»، مشددة على إدانة بلادها الحادة لما يجري هناك. وعلى الأرض في محيط عفرين، استمرت المواجهات المتقطعة بين وحدات من القوات الحليفة للجيش السوري والفصائل المسلحة العاملة مع القوات التركية، في القرى الواقعة بين عفرين وبلدتي نبّل والزهراء، حيث أعلنت القوات المدعومة تركياً، السيطرة على بلدتي براد وكيمار، مقتربة أكثر من نقاط مهمة يتمركز فيها الجيش السوري وحلفاؤه.