استمراراً لخمس جولات سابقة، تنعقد برعاية مصريّة جولة سادسة من الاجتماعات بين الأطراف العسكريّة الليبيّة بدأت يوم الاثنين، ويحضرها رئيس أركان القوات التابعة لحكومة الوفاق المعترف بها دوليّاً، ورئيس أركان قوات شرق ليبيا العاملة تحت قيادة خليفة حفتر. وقد أشارت بعض التسريبات إلى حضور الأخير أجزاء من المداولات من دون تأكيد رسميّ.


ورغم اتفاق المجتمعين في جولات سابقة على هيكلة جديدة للجيش، تبقى أبرز النقاط الخلافيّة مرتبطة بشخص خليفة حفتر، ففيما يسعى مؤيدوه في الشرق إلى تثبيته على رأس الجيش، تمانع جهات سياسيّة وعسكريّة في الغرب ذلك. وتسعى حكومة فائز السراج، التي تتخذ من طرابلس مقرا لهاً، عقد تفاهمات وحلول وسط، حيث اتخذت في الأيام الماضية إجراءات ضدّ الرافضين لتوجهها.
وفي السياق، أنهى يوم الاثنين وكيل وزارة الدفاع مهمات الناطق الرسميّ باسم الوزارة اللواء محمد الغصري، ويأتي ذلك عقب تصريحات أطلقها الأخير بخصوص لقاءات القاهرة، حيث اعتبرها «غير جديّة ولن تنجح»، ودعا إلى عقدها داخل ليبيا. وتلت تصريحات الغصري موجة من الانتقادات أطلقها قادة عدد من الكتائب الغربيّة، صدر أبرزها عن المجلس العسكري في مدينة صبراطة الذي اعتبر الاتفاق مع حفتر «تعميقاً للانقسام» (سبق للسراج حلّ المجلس العام الماضي من دون أن يكون لقراره أثر عمليّ)، ورفض أن يتولى حفتر «أي منصب قياديّ في الجيش الوطني»، كذلك رأت «غرفة عمليات حماية سرت» في حفتر «نسخة جديدة من (الرئيس السابق معمر) القذافي، لجعل المنطقة الشرقيّة تعيش في ديكتاتوريّة».
وفي حديث مع «الأخبار»، اعتبر منسّق ليبيا في «مركز دعم التحوّل الديمقراطي»، حسن كدنوا، أنّ «القرار الفعليّ لتوحيد الجيش يعود إلى الكتائب العسكريّة، فكلّ مجلس عسكريّ هو الحاكم في منطقته، وفي غياب موافقة هؤلاء لن يحصل شيء»، مضيفاً أنّ «المشكلة الفعليّة ترتبط بحفتر، فهو يرى أنّه حقق إنجازات ميدانيّة في الشرق، ولن يتخلى عن قيادة الجيش لمن يعتبرهم خونة»، وفي المقابل «لن يقبل قادة الكتائب المقاتلة في الغرب بأن يقودهم حفتر، وما لم تحلّ هذه المعضلة سيبقى الحال على ما هو عليه».
من الناحية السياسيّة، برزت المواقف المحتجّة على اجتماعات القاهرة من داخل «المجلس الأعلى الدولة» (هيكل نيابيّ استشاريّ يعمل مع حكومة الوفاق الوطنيّ في طرابلس). واتهم رئيس المجلس، عبد الرحمن السويحلي، كتائب تابعة لقوات «عمليّة الكرامة» التي يقودها حفتر، باستهداف موكبه أثناء زيارته مدينة يفرن يوم الأربعاء الماضي، وهذه هي المرة الثانية التي يتهم فيها السويحلي قوات شرقيّة بمحاولة اغتياله. القرار الفعليّ لتوحيد الجيش يعود إلى الكتائب العسكريّة
من جهته، صرّح أمس رئيس «لجنة الأمن والدفاع» في «المجلس الأعلى للدولة»، بلقاسم دبرز، بأنّ لجنته تعترض «شكلاً ومضموناً» على اجتماعات القاهرة لأنّها «لا تحمل أيّ صفة قانونيّة»، مضيفاً أنّ مصر «ليست طرفاً محايداً في الصراع». كذلك رأى عضو «المجلس»، بلقاسم قزيط، في تصريح إلى «بوابة أفريقيا الإخباريّة»، أنّ السراج بصدد «تهميش» قوّات «البنيان المرصوص» (تحالف عسكريّ تشكّل عام 2016 لمحاربة تنظيم «داعش» في سرت) عوَض تكريمها، مصنفاً إقالة الناطق باسم وزارة الدفاع ضمن ذلك السياق.
على المقلب السياسيّ الآخر، أي في الجهة الشرقيّة، برزت بعض الآراء المرحبة بالمسار الجاري في مصر، رغم غياب رئيس برلمان طبرق، عقيلة صالح، الذي يؤدي حاليّاً زيارة للسعوديّة، وصمت رئيس «الحكومة المؤقتة» عبد الله الثني. ورأى عضو البرلمان، إبراهيم الدرسي، أنّ السراج «يدرك قيمة حفتر، وهو الشخص الأقدر على ترتيب أمور الجيش»، ورحّب بإقالة الناطق الرسميّ باسم وزارة الدفاع في الغرب، معتبراً إياه «أحد أمراء الحرب في ليبيا». لكن تصريحات النائب امتدت أبعد من ذلك، واتخذت طابعاً عدائيّاً طاول جماعة «الإخوان المسلمين» التي اعتبر أنّها تشعر الآن بـ«الهزيمة»، واعتبرها «ميليشيات إرهابيّة» في الغرب دعا إلى نزع سلاحها.
أما عضو البرمان أحمد شيهوب، فقد وصف اجتماعات توحيد الجيش بأنّها «خطوة مباركة»، معرباً عن أمله في نجاحها، واعتبر أنّ «وحدة المؤسسة العسكريّة تضمن وحدة ليبيا، وتنهي الانفلات الأمنيّ، وتسهّل المصالحة الوطنيّة والقضاء على الميليشيات ومصادرة أسلحتها».
من جهته، يقول أستاذ العلوم السياسيّة ومندوب «مجلس أعيان ليبيا للمصالحة» لدى الجامعة العربيّة والمنظمات الدولية، إدريس امحمد، في حديث مع «الأخبار»، إنّ «المشكلة الأساسيّة تعود إلى أزمة ثقة بين الجهتين، كما تتمكن الأطراف المحليّة أو الدوليّة من فرض طرف على الآخر، وحتى الآن لا تزال الخلافات نفسها، وإن سوّق البعض لقرب الحلّ». وأضاف أنّه «من ناحية ثانية جزء كبير من أجندات المتنافسين خارجيّة، وهو ما يعقّد الأمور أكثر، ويدفع باتجاه الاقتتال الذي لن يخلّف سوى مزيد من القتل والتهجير والدمار».
ما الذي يحصل في سبها؟
إلى ذلك، أعلنت «شعبة الإعلام الحربيّ» التابعة لقوات خليفة حفتر إنّ مقاتلات تابعة لها استهدفت فجر أمس «تجمعاً للجماعات الارهابيّة» في صحراء مدينة سبها (جنوب غرب ليبيا)، وذلك بعد أيام من استهدافها لآليات تتبع مجموعات «منحدرة من المعارضة التشاديّة»، بحسب ما قالت وكالة الأنباء التابعة لسلطة الشرق الليبيّ. وتأتي هذه التحركات العسكريّة، التي تنطلق من قاعدة «براك الشاطئ» الجويّة التي تسيطر عليها قوات حفتر في الجنوب الغربيّ، في أعقاب اشتباكات متقطعة داخل مدينة سبها بين قبيلة أولاد سليمان التي تسيطر على الأمن في المدينة، وقبيلة التبو.
ويشير قرار صادر عن الحاكم العسكريّ في منطقة درنة - بن جواد، تحصلت «الأخبار» على نسخة منه، إلى تعيين سلطات الشرق للواء المبروك محمد الغزوي حاكماً عسكريّاً على مدينة سبها يوم السبت الماضي. وفي حديث مع «الأخبار»، قال منسق ليبيا في «مركز دعم التحول الديمقراطيّ»، حسن كدنوا، إنّه «لا توجد عمليات قصف في سبها»، وذلك نقلاً عن نشطاء في المدينة. ويقدّر كدنوا أنّ ما تقوله قوات حفتر هو «محض دعاية لخدمة صورته»، وإن قراره تعيين حاكم عسكريّ «لا قيمة له، حيث لم يحقق الغزوي الذي كان رئيس بلديّة في الكفرة (الجنوب الغربي) أي إنجازات ميدانيّة، وهو لا يعرف سبها وتركيبتها وتفاصيلها».