غزة | أعلنت الأجهزة الأمنية في قطاع غزة مقتل المتهم الرئيسي في حادثة تفجير موكب رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله قبل أسبوعين، وذلك بعد إصابته بجراح وصفت بالبالغة، في اشتباك مع الأجهزة الأمنية التي حاصرت البيت الذي تحصّن فيه هو وعدد من معاونيه غرب منطقة النصيرات وسط قطاع غزة.

وجاء مقتل المطلوب الأول أنس أبو خوصة بعد ساعات من نشر وزارة الداخلية في غزة بياناً طالبت فيه المواطنين بالمساعدة في الوصول إلى المطلوب، عارضةً مكافأةً مالية قدرها 5 آلاف دولار لمن يفيد بإلقاء القبض عليه.
وبحسب ما نشرت وزارة الداخلية في غزة في بيان رسمي وزعته على وسائل الإعلام، فقد أسفرت عمليات البحث عن تحديد مكان المطلوب أبو خوصة ومساعديه، وشرعت بعملية أمنية لاعتقاله، حيث حاصرت المطلوبين وطالبتهم بتسليم أنفسهم، إلا أنهم بادروا على الفور بإطلاق النار باتجاه القوة الأمنية، ما أدى الى مقتل اثنين من رجال الأمن، ومقتل المطلوب أبو خوصة وأحد مساعديه (عبد الله الأشهب) واعتقال آخر.
ويأتي مشهد مقتل أبو خوصة ليضفي مزيداً من التعقيد على مجريات التحقيق، باعتباره حلقة الوصل التي ستوصل إلى الجهة التي تقف خلف حادثة تفجير موكب الحمد الله، فيما أعلنت وزارة الداخلية في غزة استمرار التحقيقات لحين إتمام الكشف عن ملابساتها كافة.
وعلمت «الأخبار» أن التحقيقات لدى الأجهزة الأمنية في غزة كانت قد وصلت إلى نهايتها، وقد أدلى معتقلون على خلفية الحادثة خلال الأيام الماضية بمعلومات أوصلت الأجهزة الأمنية إلى المسؤول الرئيسي عن الحادثة، حيث داهمت منزله مساء أول من أمس شمال القطاع، ومنازل أخرى يتوقع أن يكون فيها، إلا أنه تمكن من الهرب.
وتؤكد التحقيقات أن القتيل أبو خوصة كان ينتمي قبل 7 سنوات إلى تنظيم «جيش الإسلام»، وهو تنظيم سلفي له تقاطعات فكرية مع تنظيم «داعش»، إلا أنه تركه ولم ينتم إلى أي من التنظيمات الفلسطينية بعدها.
التحقيقات تشير إلى وجود علاقة بين أبو خوصة وضابط في المخابرات الفلسطينية، وتوجد دلائل على أنه الموجّه له لتنفيذ هذه العملية، فيما استغل أبو خوصة علاقته السابقة بعناصر سلفية لشراء المواد المتفجرة التي تم تصنيع العبوتين الناسفتين منها. وفور بدء الأجهزة الأمنية بمطاردة أبو خوصة، لجأ إلى أقاربه في منطقة مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، الذين ينتمي أغلبهم إلى حركة فتح. وبعد ساعات، وصلت معلومات للأجهزة الأمنية بمكان وجوده، حيث حاصرت المنطقة وبدأت بحملة تمشيط واسعة أفضت إلى الوصول إليه.
ونقل مصدر أمني لـ«الأخبار» تأكيدات بأن الأجهزة الأمنية لديها دلائل باستغلال جهات مخابراتية في رام الله حالات «الانحراف الفكري» لتنفيذ العملية، مؤكداً أن استغلال هذه الحالات بات متكرراً خلال السنوات الأخيرة من قبل جهات استخبارية عدة، حيث استغلت المخابرات الإسرائيلية أحدهم ويدعى أشرف أبو ليلى لاغتيال القيادي في كتائب القسام والمبعد إلى غزة مازن فقهاء العام الماضي.

هنية يلمح لعلاقة السلطة بالتفجير
وتوقع المصدر انتهاء التحقيقات المستمرة منذ عشرة أيام وإعلان النتائج خلال فترة وجيزة، وذلك خلال مؤتمر صحافي يتم خلاله نشر المعلومات الكاملة عن الحادثة، إلا أن رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هينة أشار خلال تشييع عنصرَي الأمن إلى أن «التحقيقات متواصلة بمشاركة جميع الأجهزة الأمنية في غزة، فيما تتواصل حملة الاعتقالات على خلفية الحادث، مؤكداً أن هناك أسماء جديدة مطلوبة يجري العمل على اعتقالها».

أجّلت «حماس» توجّه وفد قيادي منها إلى القاهرة لحين إتمام التحقيقات


ولفت هنية إلى أن القتيلين من المنفذين «ما هم إلا أدوات لهم مشغل وجهة تقف وراءهم»، مؤكداً أن حركته لن «تستعجل في إصدار الأحكام حتى تنتهي الأجهزة الأمنية من فك رموز التفجير الذي يأتي في وقت غير عادي سياسياً ووطنياً وأمنياً في غزة».
ولمح هنية إلى علاقة الحادثة بنية جهات ــ لم يسمّها ــ بمحاولة تفجير ملفات متعددة على الساحة الفلسطينية، موضحاً أن التفجير يريد أن يسوّغ لسياسات متعددة ضد غزة، في إشارة إلى نية السلطة فرض عقوبات جديدة على القطاع.
ويشير كلام هنية الى اتهام السلطة الفلسطينية بالوقوف خلف الحادث، حيث تحدث عن أن السلطة أصدرت تعليمات لشركات الاتصالات في غزة بمنع تقديم أي معلومات عن الحادثة للأجهزة الأمنية، فيما أرسلت تلك المعلومات للأجهزة الأمنية في رام الله التي رفضت تزويدها للأمن في غزة.
وعن خطورة التفجير خلال الفترة الحالية، بيّن أن هذا التفجير أراد «إلهاء قطاع غزة، لإمرار ملفات سياسية أبرزها صفقة القرن» التي تهدف الى تصفية الحقوق الفلسطينية، وداخلياً «أرادت إمرار عقد المجلس الوطني وإعادة تشكيل التمثيل الفلسطيني من دون قطاع غزة»، مشيراً الى هدف آخر للتفجير هو «إفشال التحرك الوطني في مسيرة العودة التي تهدف الى مواجهة الحصار والتأكيد على حق العودة».



تقرير للمخابرات المصرية
على صعيد ذي صلة، علمت «الأخبار» أن حركة حماس في غزة أرسلت تقريراً الى جهاز المخابرات المصرية حول التحقيقات التي تجريها الأجهزة الأمنية حول حادثة الحمد الله، لوضعها في صورة التطورات والجهات التي تقف خلفها، وذلك في إطار طلب قدمته المخابرات للحركة بالإسراع في التحقيقات للضغط على الرئيس محمود عباس بعدم اتخاذ إجراءات عقابية جديدة ضد غزة.
إلى ذلك، أجّلت حركة حماس خروج وفد قيادي منها إلى القاهرة – كان مقرراً تحركه أول من أمس ـــ، وذلك لحين إتمام التحقيقات في حادثة محاولة اغتيال رئيس الوزراء، حيث سيحمل الوفد كامل التفاصيل النهائية للجانب المصري حول الحادثة، ولتباحث عودة مسار المصالحة أو إيجاد حلول جديدة للواقع في قطاع غزة. وأطلعت الحركة الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة على التفاصيل الدقيقة لحادثة التفجير بالوثائق والأدلة، وذلك بعدما دعتهم الى اجتماع عاجل عصر أمس في مكتب قائد الحركة في غزة يحيى السنوار، وبحضور رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية. بدوره، أكد عضو المكتب السياسي للحركة صلاح البردويل، أن الأجهزة الأمنية توصلت «إلى تفاصيل مذهلة» في عملية التحقيق، لافتاً إلى أن «التحقيقات أثبتت ارتباط العملية بجهات خارجية».
من ناحيتها، واصلت السلطة الفلسطينية وحركة فتح عدم اعترافها بمجريات التحقيقات التي تجريها الأجهزة الأمنية في قطاع غزة، وذلك على لسان رئيس المكتب الإعلامي لحركة فتح منير الجاغوب الذي قال إن «كل ما يحدث من اتهام وملاحقة وقتل في قضية تفجير موكب رئيس الوزراء رامي الحمد الله قبل أيام خارج عن القانون». واتهمت حكومة التوافق على لسان الناطق باسمها يوسف المحمود حركة حماس بأنها «ترسم وتنفذ سيناريوات تشوّه وتختلق روايات لا تتفق مع المنطق»، مشيراً إلى أن «محاولات الحركة بث الشائعات وإلصاق تهمة محاولة الاغتيال بالدولة ومؤسساتها لا ترقى إلى المستوى الذي يمكن أن يقبل به العقل، ولا يمكن أن يلامس أدنى درجات الحقيقة والمعقولية».
وجدد رئيس الوزراء رامي الحمد الله أن السلطة لن تتخلى عن «أهلها في قطاع غزة ولا عن واجباتها ومسؤولياتها في إنقاذ القطاع من الكارثة الإنسانية التي تتهدده»، داعياً حماس الى التحلي بروح المسؤولية وتجنيب القطاع مزيداً من ويلات الانقسام وتداعياته، عبر تسليم الحكومة كل المسؤوليات الأمنية والمالية والقانونية والإدارية. من ناحيته، دعا الرئيس محمود عباس حركة حماس إلى تسليم كل شيء لحكومة الوفاق الوطني، وأولها الأمن وبشكل فوري، مشيراً إلى أنه سيتحمل بعد ذلك المسؤولية كاملة عن قطاع غزة، وإلا ستتحمل حماس عواقب إفشال الجهود المصرية، الساعية الى إنهاء هذه الحالة.