انتهج الحزب الاشتراكي، قبل نشوء التنظيم الموحد وبعده، إبان قيادته الدولة الشطرية في جنوب اليمن، سياسة خارجية قائمة على القطيعة مع دول الجوار الخليجي التي وصَمَتْها أدبياته بـ«الرجعية العربية». وعدا صلات ودية مع الكويت و«إيران الثورة الإسلامية»، فإن علاقاته بالأخريات حفلت دائماً بالعداء إلى حدّ الاشتباك العسكري، كما في حربه مع عمان والسعودية مطلع سبعينيات القرن الفائت.

كان اقتصاد الدولة الشطرية في الجنوب اقتصاداً موجَّهاً بالكلية ومتكئاً على الدعم السوفياتي بنسبة كبيرة، وبدخول المنظومة الشرقية الاشتراكية طور العدّ التنازلي صوب الانهيار، شرعت عديد أصوات داخل الهيئات العليا للحزب تطالب بإعادة النظر في سياسة القطيعة مع دول الجوار، لجهة الانفتاح عليها تلافياً للغَرق في العزلة الكاملة، فكانت محطة يناير 1986 الدموية أبرز وأفدح تمظهرات حرب «الرفاق الأعداء» في البناء الفوقي الحزبي على خلفية انحسار الغطاء السوفياتي الاقتصادي المتسارع عن الدولة الشطرية وانحدارها نحو المجهول.
لا مناص في مقاربة موقف قيادة الحزب الاشتراكي اليمني المساند للعدوان الكوني الإمبريالي الراهن على اليمن، من التعريج على محطة 1986 وتداعياتها على نهجه السياسي في السنوات والعقود اللاحقة التي تحوَّل خلالها الحزب من أقصى اليسار الماركسي إلى أقصى اليمين الليبرالي، ومن تأميم كامل طاول حتى قوارب وشباك الصيد الخاصة، إلى التصفيق لخصخصة البحر والمضايق والجزر والصيادين باسم الاستثمار واقتصاد السوق، ومن القطيعة المتطرفة مع ما كان يسمَّى «الرجعية العربية» حد الاحتراب معها إلى الاندفاع المتطرف للانضواء والعمل تحت إمرة مشيخات النفط التي أصبحت تسمى «القيادة التاريخية للمشروع القومي العربي» طبقاً لتوصيف أمين عام الاشتراكي الحالي الدكتور عبد الرحمن السقاف، ومن مناهضة الإمبريالية الأميركية إلى اعتناق دعاويها للهيمنة كدين والتزام مصالحها الاستعمارية كقضية ودور والانبطاح على عتبات سفاراتها كمعراج للحظوة والسلطة واكتساب الوزن والشرعية.
في 1993، وعقب ثلاثة أعوام من توقيع اتفاقية الوحدة بين الشطرين، تقدم «الاشتراكي» بطلب الانضمام إلى «منظمة الاشتراكية الدولية» في لندن، والتي تضم «حزب العمل» الصهيوني، في تكفير مقنَّع عن خطايا أدبياته الغابرة المعادية لـ«كيان الاحتلال الإسرائيلي»... وفي ذات العام أطلق الحزب «مشروع برنامج إصلاحات اقتصادية بمفاهيم السوق الحرة ومحددات صناديق الإقراض الدولية»، ودشنه رئيس الحكومة الانتقالية الاشتراكي حيدر العطاس، كبرنامج عمل. وفي يناير 1994 وقع نائب رئيس الجمهورية الأمين العام لـ«الاشتراكي» علي البيض، وثيقة «عهد واتفاق» بينه وبين فرقاء سلطة الحكم، صالح و«الإخوان»، عاد بعدها من العاصمة الأردنية عمان حيث جرى التوقيع، إلى العاصمة السعودية الرياض، ليبدأ العد التنازلي لصدام شطري عسكري دموي في مايو 1994 داخل إطار دولة الوحدة الهش والقائم على المحاصصة وارتهان فرقاء الحكم لأجندات خليجية ـ خليجية غير وطنية ضمن الملعب الأميركي الواحد تمهيداً لتصفية مؤسسات الدولة الوطنية اليمنية في الجنوب، كامتداد لتصفية تركات الحرب الباردة ذات العقيدة المناهضة لأميركا والمنتمية للمفاهيم التحررية والقومية اليسارية الشرقية.
الحقيقة أنه ما من يسار ـ بحساب المبدأ والموقف وأدبيات وآليات النضال ـ على مستوى طيف مكونات لعبة الحكم والمعارضة في اليمن منذ 1990، فالبيارق الاشتراكية والناصرية تخفق اليوم جنباً إلى جنب مع رايات اليمين الداعشي والإخواني السوداء فوق ساريات تحالف العدوان الأميركي السعودي ــ المتجاورة ــ على اليمن.
إحدى المفارقات الهزلية ــ وغير المستغربة ــ أن «الاشتراكي» تبنّى في رؤيته المقدمة لـ«مؤتمر الحوار الوطني 2013»، نص ومضمون المادة الثالثة من الدستور بصياغتها الإخوانية التي كانت أبرز نقاط الاختلاف بينه وبين «الإخوان» عقب الوحدة، حيث رفض «الاشتراكي» أن تكون «الشريعة الإسلامية مصدراً أساسياً ووحيداً لجميع التشريعات» وتبنى حينها صياغة فحواها «الشريعة الإسلامية مصدر رئيس لجميع التشريعات»، ليضع بعد نحو عقدين ونصف عقد النص الإخواني في رؤيته للحوار كما أنزل من شفاه شيوخ التكفير و«الحاكمية الزندانية».
وإذ تبيح قيادة الحزب بلدها وشعبها اليوم لتحالف عدوان يتصدر مشروع تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم قائمة أهداف مشروع عدوانه، فإن رؤيته المقدمة للحوار في 2013، تؤكد بالنص انحياز الحزب إلى «فيدرالية من إقليمين بحدود ما قبل الوحدة في مايو 1990م» كحد أعلى للأقلمة وكحد أدنى لاسترضاء المزاج الجنوبي المطالب بالانفصال.
إن اليسار بسطوع مفاهيمه ومواقفه ووضوح مساره وجذرية مقارباته للعدالة الاجتماعية والحرية والاستقلال، لا رافعة له ولا عمود فقري في اليمن سوى حركة «أنصار الله» الثورية التي تقود جموع المسحوقين والمستضعفين في اليمن والجزيرة العربية في ملحمة كبرى وفاصلة وجهاً لوجه مع تحالف قوى عدوان الإمبريالية والاستكبار العالمي.
لا يسار في اليمن اليوم سوى هؤلاء الثوار الحفاة والعرايا الذين تصفهم نخبة العسس الأميركي البريطاني من اشتراكيي التخوت الملكية بـ«الأجلاف والأميين والانقلابيين» بينما يتوددهم أسيادها سراً وعلناً بـ«البعثات الدبلوماسية» تحت وطأة ما يتلقونه من ضربات بنادقهم ذات البأس الشديد، وقوة وزنهم الوجودي المكتسب من صدق وعمق الالتحام بشعبهم وترابه الوطني.