صعدة | أطقم سعودية عليها آثار رصاص تجوب شوارع مدينة صعدة أقصى شمال اليمن. تحمل شعار «القوات الملكية البرية»، وتقلّ مسلحين من حركة «أنصار الله»، يقصدون أسواق القات وقت الظهيرة، ويرتدي البعض منهم بزات عسكرية لحرس الحدود السعودي. مشاهد يومية صارت مألوفة لدى سكان المحافظة، لكنها تكشف جانباً مما يقوم به هؤلاء المقاتلون وراء حدود بلادهم، وفي العمق السعودي في نجران وجيزان، على مدى 3 سنوات.

قصف وتحليق متواصل لمقاتلات الطيران الحديثة من الـ«F 35»، والـ«F 16»، والـ«أباتشي» والـ«درون»... وقنابل عنقودية وفراغية وانشطارية وغيرها، لم تشكّل جميعها حاجز صد في وجه مقاتلي «أنصار الله»، الذين يتمركزون اليوم على مشارف مدينة نجران، على مسافة 65 كم من شمالي محافظة صعدة. يؤكد القيادي الميداني في «أنصار الله» على جبهة نجران، محمد الغيلي، أن «أبطال الجيش واللجان الشعبية يسيطرون اليوم على 18 ألف كم مربع في نجران، وخلال 3 سنوات من الحرب دمّروا 127 دبابة للجيش السعودي من الـ(أبرامز) والـ(برادلي)، والعديد من المدرعات والأطقم والجرافات، واقتحموا 180 موقعاً موزعة بين مراكز قيادة وأبراج رقابة ومستودعات للسلاح».
ويضيف الغيلي أن «مدينة نجران باتت من شمالها الغربي وجنوبها الغربي محاطة بمجموعات من الجيش واللجان، وأصبحت المدينة بين فكي كمّاشة، وعند صدور التوجيهات من السيد عبد الملك الحوثي باقتحامها، فإن ذلك لن يستغرق منا سوى ساعات»، مشيراً إلى أن «المدرعات والأطقم والجرافات المحترقة بنيران الجيش اليمني واللجان الشعبية متناثرة في الشعاب والوديان بنجران، ولم يتمكن الجيش السعودي من سحبها، في وقت ينتزع فيه المقاتل اليمني منها بعض الأسلحة الرشاشة والمناظير الليلية، ويحرق المجنزرات بالوسائل المتوافرة لديه». ويتابع: «كل موقع سعودي يُقتحَم يعقبه انسحاب إلى محيطه، لأن الطيران يستهدفه بسلسلة من الغارات، وبعد أيام يُدفَع بوحدات سعودية جديدة للتموضع فيه من جديد، وبدورنا نجدد الهجوم عليه وسحق القوة التي بداخله».

أعلى قمة في جيزان
في عام 2009، سيطرت «أنصار الله» على جبال الدود والدخان والرميح في جيزان، عندما ساند الطيران السعودي نظام صنعاء في حربه السادسة على صعدة. قُتل حينها 79 ضابطاً وجندياً سعودياً، وأُسر 20 آخرون، ولم ينسحب مقاتلو الحركة من تلك الجبال إلا بتوقف الحرب والاتفاق مع «أنصار الله» على مناطق آمنة وخالية من السلاح بين اليمن والمملكة. ومع بدء حرب «التحالف» الذي تقوده السعودية، استعادت الحركة السيطرة على هذه الجبال، التي لا تزال تحت قبضتها إلى اليوم. القيادي في «أنصار الله»، أبو مطهر القحوم، يقول، لـ«الأخبار»، إن «جبل الدخان ليس بجبل، بل سلسلة جبال، وسُمّيت أعلى قمّة فيها باسم جبل الدخان، وأغلبها تقع جنوب غربي مدينة الخوبة في محافظة الحرث، في منطقة جيزان». ويضيف القحوم أن «مساحة السلسلة الجبلية التي سُمّيت جبلَ الدخان 18 كلم2، حيث يبقى جبل الرميح الواقع جنوبيه ضمن نطاق الدخان كسلسلة جبلية واحدة»، لافتاً إلى أن «السعودية استحدثت ما يقارب 40 موقعاً عسكرياً، منها أربعة مواقع رئيسة كقيادة وسيطرة وإدارة عمليات، واليوم جميع هذه المواقع صارت تحت سيطرة الجيش واللجان الشعبية».
شكّل سقوط الرميح والدخان والدود ضربة موجعة للقوات السعودية؛ لكون هذه السلسلة الجبلية - بحسب تأكيد القحوم - تطلّ على بلدات وقرى، منها الخوبة، الغاوية، مصفوقة، الشانق، المعرسة، السبخاية، جلاح، الراحة، المزبرات، ومن الشمال تخوّل الجيش اليمني واللجان فرض سيطرة نارية على وادي حمران. كذلك يكتسب جبل الدخان أهمية استراتيجية من كونه يشرف على جميع القرى السعودية حتى آخر مدى للمدفعية وبطاريات الـ«كاتيوشا». ويشير القحوم إلى أنه «بعد سيطرة الجيش واللجان عليه، تمكّنا من فرض سيطرة نارية شاملة على سهل الخوبة الغربي بشكل كامل، وبمدى 20 كيلومتراً، ومن جبل الدود نشرف على بلدة الخوبة من الشمال الغربي»، متابعاً أن «العشرات من الضباط والجنود السعوديين لقوا مصرعهم في هذه السلسلة الجبلية، كذلك تمكّن مقاتلو الجيش واللجان من اغتنام كميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة والذخائر والأطقم المزودة بالرشاشات الحديثة».

نزف بشري ومادي
حرب استنزاف متواصلة للجيش السعودي منذ 3 سنوات، لم تصدر خلالها المملكة إحصائية رسمية بأعداد القتلى والجرحى والأسرى من قواتها، لكن سيل أخبار تشييع «شهداء الحد الجنوبي»، وتقديم أمراء نجران وعسير وجيزان واجب العزاء بـ«استشهادهم»، لا يتوقف في وكالة الأنباء السعودية الرسمية. خلال الفترة من 1 كانون الثاني/ يناير 2018 إلى 18 آذار/ مارس الجاري، رصدت «الأخبار» تشييع 87 ضابطاً وجندياً لقوا مصرعهم في الحد الجنوبي للسعودية، فيما تشير إحصاءات غير رسمية إلى «مقتل 5 آلاف ضابط وجندي سعودي خلال الحرب».
وعلى مستوى الخسائر المادية، كشف، أخيراً، موقع «ديفنس وان» الأميركي أن «السعودية تعتزم شراء 150 دبابة أبرامز، لتحلّ محل الدبابات التي فقدتها في الحد الجنوبي». وفي مطلع آذار الجاري، وقّع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في ختام زيارته لبريطانيا، مذكرة تفاهم لشراء 48 مقاتلة بريطانية من طراز «تايفون» بقيمة عشرة مليارات جنيه استرليني (نحو 14 مليار دولار)، علماً بأن مقاتلي «أنصار الله» في جبهات ما وراء الحدود كانوا تمكنوا من إسقاط عدد من الطائرات التابعة لـ«التحالف»، بدفاعات قديمة تعود إلى حقبة الاتحاد السوفياتي.
ولا يقتصر الأمر على أحدث الطائرات المقاتلة، بل طاول الطائرات المسيّرة التي أدخلتها السعودية إلى ساحة المعركة في الحد الجنوبي، جنباً إلى جنب الدبابات، والمدرعات الحديثة، والمدفعية طويلة المدى، والقناصات الليزرية. المقاتل في صف «أنصار الله» على جبهة جيزان، مطلق البروشي، قال، لـ«الأخبار»، إنه «منذ بدء المواجهات مع القوات السعودية، تمكنت الوحدة الفنية التابعة للجيش واللجان الشعبية من إنزال 11 طائرة مسيّرة، أحجامها تتفاوت بين المتر والـ3 أمتار، مهمّتها مراقبة الشعاب والمنحدرات، والتقاط الأجسام الصغيرة حتى أعقاب السجائر»، موضحاً أن «الوحدة الفنية اخترقت شيفرات أنظمتها الواحدة تلو الأخرى، وأنزلتها بكامل جاهزيتها، وعند فحص مكوناتها تبينت دقة نظام التصوير المزودة به».

تمكن الجيش واللجان من إسقاط 11 طائرة مسيّرة منذ بدء المواجهات


كذلك، لم تعد القناصات الكندية حكراً على حرس الحدود السعودي. فاليوم، يمتلك مقاتلو «أنصار الله» الكثير منها، وجميعها «مغانم» من القوات السعودية في جبهات ما وراء الحدود. المشرف الميداني في الحركة، أبو حسين العراري، العائد من القتال في جبهة عسير، يقول، لـ«الأخبار»، إن «كل موقع للقوات السعودية مزود بقناصة كندية ذات ناظور ليزري، ومداها يصل إلى 2800 متر بفاعلية، ومع توالي اقتحامات الجيش واللجان للمواقع السعودية وأبراج الرقابة صار بحوزة المقاتلين في نجران وعسير وجيزان الكثير منها». ويفيد العراري بأن «الجيش واللجان يسيطران على مناطق السفينة، وسهوة، وأم الرياح، والثعبان، وقشبة، وحسن، وفايا في الربوعة بعسير»، مؤكداً أن «القوات السعودية ومرتزقتها فشلت في استعادة أيٍّ منها».

قوات مستأجرة
100 ألف جندي سعودي بحوزتهم جديد مصانع الأسلحة، لكنهم عجزوا عن تأمين الحدود الجنوبية للمملكة، وتفوّق عليهم مقاتلو «أنصار الله» بأسلحتهم البدائية، ليجبروا النظام السعودي على الاستعانة بقوات سودانية ويمنية مستأجرة لتحلّ محلّ قوات حرس الحدود، ومع ذلك لم تفلح الرياض في الوصول إلى مبتغاها. ففي محافظة الموسم بجيزان، المحاذية لمحافظة حجة اليمنية، قال مصدر عسكري في المنطقة الخامسة التابعة لحكومة الرئيس المستقيل، لـ«الأخبار»، «(إننا) نفتقد للكثير من الدعم في المعارك التي تخوضها المنطقة الخامسة بميدي ضد الحوثيين، وخلال ثلاث سنوات من الحرب قُتل 950 ضابطاً وجندياً يمنياً، وجُرح 3 آلاف آخرين، بينهم 360 معوَّقاً توقف مركز الملك سلمان للإغاثة عن صرف المساعدات الخاصة بهم لخمسة أشهر مضت». وكشف المصدر عن «مقتل 543 ضابطاً وجندياً سودانياً في مواجهات مع الحوثيين شمال صحراء ميدي».
وكما أخلت القوات السعودية مواقعها في محافظة الموسم الحدودية بجيزان جنوب غربي المملكة لقوات مستأجرة، حشد النظام السعودي مجاميع السلفيين من جنوب اليمن ومحافظة مأرب إلى منطقة الخضراء بنجران، بعد توغل مقاتلي «أنصار الله» في عمقها. ترفع مجاميع السلفيين لافتة «تحرير صعدة»، لكنها تُعسكر خلف منفذ الخضراء في الداخل السعودي، وتشنّ هجماتها على منفذ البقع اليمني بعربات وأسلحة سعودية. ومع ذلك، وخلال عامين من معاركها للدفاع عن السعودية، «تبدّدت» هذه المجاميع السلفية في محيط منفذ البقع الحدودي، ولم يعد أحد يسمع بألوية «المحضار» و«الفتح» و«النخبة». لقد التهمتها نيران «أنصار الله» في رمال الصحراء، لتدفع السعودية بدلاً منها باللواء 103 الذي جلبته من مأرب، ومعظم منتسبيه من قبيلة عبيدة. شنّ اللواء أولى هجماته في مطلع كانون الثاني/ يناير من العام الجاري على مواقع «أنصار الله» في البقع، وبعد ساعات فقط سقط قائد اللواء ذياب بن معيلي جريحاً بنيران مقاتلي الحركة، ولا يزال إلى اليوم يتلقى العلاج في أحد المستشفيات بالعاصمة السعودية الرياض، ليعود الكثير من منتسبي اللواء إلى مأرب، ومن بقي منهم تحاصره نيران «أنصار الله» في محيط المنفذ الحدودي.

حرس يمني لمهاجمة صعدة!
لم يعد هناك حرس حدود سعودي. لقد استبدلت بهم المملكة 7 ألوية من سلفيي اليمن، تلاميذ الوهابية. اللواء الأول، والثاني، والثالث، والرابع - حرس حدود كتائب سلفية تم تدريبها في محافظة مأرب وجلبها إلى معسكر القوات السعودية في قلل الشيباني بمنطقة عسير. ومنذ عام 2016 تشنّ هجماتها على منفذ علب اليمني شمالي محافظة صعدة، ولم تتمكن إلى اليوم من ملامسة تراب اليمن، فهناك مقاتلو «أنصار الله» المتحصنون في جبال مديرية باقم، والذين يواصلون شنّ هجماتهم في العمق السعودي، ويقتحمون المواقع، ويفجّرون أبراج الرقابة في الربوعة بعسير.
وفي كانون الثاني/ يناير الماضي، أخلى حرس الحدود السعودي معسكره في مركز قيس بجيزان، قبالة مديرية رازح في محافظة صعدة، لمجاميع سلفية من اليمن أطلقت على نفسها «اللواء الخامس والسادس والسابع - حرس حدود»، وسرعان ما بدأت بقصف مناطق الأزهور والنضير شمالي رازح بالمدفعية السعودية. ولم تمضِ سوى أسابيع حتى باغتهم مقاتلو «أنصار الله» ولاحقوهم إلى داخل عسير. وأظهر الإعلام الحربي التابع للحركة، في الـ14 من آذار/ مارس الحالي، مشاهد لـ«قتلى وأسرى مرتزقة العدوان، الذين حاولوا مهاجمة رازح، فدُحروا إلى معسكر جبل قيس في عسير، واغتُنمَت كميات كبيرة من الأسلحة التي كانت بحوزتهم».




هكذا تُرتِّب السعودية لـ«نهب» النفط اليمني!
()

في الوقت الذي جنّدت فيه حكومة عبد ربه منصور هادي 7 ألوية للدفاع عن حدود المملكة شمالاً وغرباً، سرَّحت قوات حرس الحدود من معسكراتها على الحدود مع السعودية شرقاً. خطوة تبيّن، لاحقاً، أن الغرض منها إخلاء الجو أمام السلطات السعودية لابتلاع مئات آلاف الكيلومترات من محافظة حضرموت. يكشف مغتربون يمنيون يعملون لشركة «نسما» التابعة لولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، لـ«الأخبار»، عن «استكمال الشركة تعبيد الطريق الذي بدأت شقه في عام 2015 م، بمسافة 60 كم داخل حضرموت، وبطول 700 كم من مفرق شرورة إلى مثلث الشيبة في حدود عمان»، مضيفين أن «هذه الأرض اليمنية صارت شبكة لأنابيب استخراج النفط من باطنها»، وأن «شعار شركة أرامكو السعودية موضوع على كافة المداخل ونقاط التفتيش المؤدية إليها».
كذلك، تكشف مصادر محلية في محافظة الجوف، لـ«الأخبار»، عن «منح السلطات السعودية في نجران بطائق تابعية لمشايخ قبليين في مديرية خب الشعف الحدودية، والتفاوض معهم لتمكين شركة أرامكو من التنقيب عن النفط في صحراء اليتمة، مقابل السماح لسكان المديرية بدخول المملكة ببطائق التابعية، وتنفيذ مشاريع خدمية واستثمارية في مناطقهم»، متابعة أن «مستشار الرئيس هادي، الشيخ القبلي الحسن أبكر، هو من يتولى الترتيب للسلطات السعودية في هذا الإطار»، وأن «4 كتائب من القوات السعودية قدمت، في شباط الماضي، من نجران إلى معسكر الخنجر في خب الشعف».
(الأخبار)