القاهرة | لا انتخابات في مصر، يوم الاثنين. الاستحقاق الرئاسي الذي تمتد فعالياته حتى يوم الأربعاء المقبل، أُفرِغ من معناه، قبل أن تنطلق حملاته الانتخابية بأسابيع. والقاهرة تبدو بلا ناسها الذين فهموا منذ الأشهر الأولى لعام 2014، أي بعد مدة قليلة على «30 يونيو»، أنّهم باتوا أمام مشروع أكبر منهم. الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يظهر غير مهتم بنفي هذا المعطى، إذ إنّه يُرسِّخ يوماً بعد آخر فكرة أنّ الانتخابات حُسِمت، ويتعامل معها باعتبارها غير موجودة. هذه ليست فرضية، بل حقيقة يؤكدها غياب نشاطات ميدانية لحملته الانتخابية، كما طبيعة النشاطات التي يقوم بها هو يومياً.

يوم أمس، بدلاً من محاولة التواصل مع الناخبين قبل ساعات من غلق أبواب الدعايا الانتخابية، اختار السيسي كعادته بين الحين والآخر، قضاء العطلة الأسبوعية مع قوات الجيش، ولكن هذه المرة في إحدى القواعد الجوية المؤمنة بشكل كامل في سيناء والبعيدة بشكل نسبي عن مواقع الاشتباك. قضى هناك أكثر من 5 ساعات، وتناول الطعام مع القوات الموجودة، وحرص على الحديث معهم في زيارة لم تُعلَن إلا بعد انتهائها ــ كعادة زياراته العسكرية إلى سيناء. وبعدما تابع من القاعدة، «العملية الشاملة سيناء 2018»، قال للضباط والجنود: «سنأتي إلى هنا قريباً للاحتفال بالنصر على خوارج هذا العصر»، مشدداً على ضرورة استخدام كل القوة ضد كل من تسوّل له نفسه أن يرفع السلاح ضد أي مصري، مضيفاً في الوقت نفسه أنّ عقيدة الجيش المصري الأصيلة هي حماية الشعب والوطن وليس الاعتداء على أحد. استمع الرئيس المصري إلى شرح مطوّل من وزير الداخلية ورئيس الأركان وقائد القاعدة الجوية، فيما جدد وزير الداخلية تأكيده لضرورة «استمرار التنسيق بين الجيش والشرطة لمحاصرة وتضييق الخناق على العناصر التكفيرية والقضاء عليها في مناطق مكافحة النشاط الإرهابي».

الرئيس المصري في الإسماعيلية: أنا عايز أقول لكم إن كلنا بنعاني


هكذا، فإنّ الأجواء الانتخابية لم تعد موجودة في المحروسة إلا من خلال صور ولافتات «تأييد الريّس» التي غزت الشوارع، ليس في القاهرة فحسب، ولكن في المحافظات والقرى التي أُجبِر أعيانها على رفعها وعلى إقامة المؤتمرات الجماهيرية، فيما أطلق عدد من مديريات التربية والتعليم وعوداً للطلاب الذين دخلوا أخيراً قاعدة بيانات الناخبين بالحصول على درجات إضافية في «المواد العملي» شرط المشاركة في الانتخابات وإظهار الحبر الفوسفوري على أصابعهم لمدرسيهم بعد التصويت.
برغم ذلك، يبدو مؤيدو الرئيس السيسي، متحمسين، الأمر الذي يتضح في كتابات تقول، مثلاً: «لو كنّا نؤرخ الآن لكل أحداث 25 يناير 2011 وما بعدها، فإننا سنغلق القوس التاريخي في شهر نيسان/ أبريل المقبل، مع بدء الولاية الثانية، وسنعلن نهاية حقبة زمنية كاملة ونضع لهذه المرحلة نقطةً، ونبدأ من أول السطر». هذه الحماسة المتواصلة، كان يُقابلها غياب الأنشطة الانتخابية عن أجندة السيسي، منذ انطلاق فترة الدعاية وحتى اختتامها رسمياً أمس (السيسي لم يظهر بجولة انتخابية خلال الحملة، واكتفى بلقاء وحيد مع المخرجة ساندرا نشأت، تحدث فيه كما أراد هو، ولم تُطرح عليه أيّ أسئلة تحمل انتقادات مباشرة على الإطلاق). هو نفسه قال في سيناء أمس: «السنوات الأربع الماضية كانت عبارة عن فترة تثبيت الدولة المصرية وتقوية مؤسساتها وإقامة بنية أساسية قوية»، مضيفاً أنّ «الإجراءات الاقتصادية اللي اتعملت كانت جزءاً من تثبيت الدولة. أنا عايز أقول لكم إن كلنا بنعاني، لكن هذه المعاناة لا تساوي شيئاً جنب ضياع الدولة وانهيارها».
عموماً، بخلاف الانطباع الذي يفيد بأنّ الاستحقاق الذي ستُفتح صناديق اقتراعه بعد غد الاثنين، أقرب إلى استفتاء على «شخص الريّس» من كونه انتخابات، إلا أنّ حقيقة الأمر أنّه أقرب إلى مسرحية خالية من عناصرها الدرامية. هي مسرحية يؤمل منها أن تنضم إلى الأعمال المتأثرة بـ«المسرح البريختي» الذي يتميّز بتحويل المشاهد إلى الفاعل الأهم في العمل عبر إثارته للتأمل والتفكير في الواقع واتخاذ موقف ورأي من القضية المتناولة.