يذهب المصريون اليوم إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية التي انعدمت فيها المنافسة، إذ أصبح الاختيار بين الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، وأحد مؤيديه، موسى مصطفى موسى. لكن، قبل بدء الفترة الثانية، ماذا حقق السيسي في فترته الأولى؟


الحالة الاقتصادية
شهدت مصر خلال الفترة الأولى من حكم عبد الفتاح السيسي، تدهوراً كبيراً على الصعيد الاقتصادي والحالة المعيشية للمواطنين. فقبيل انتخابه للفترة الأولى عام 2014، قال السيسي في حوار تلفزيوني، إنّ إجمالي الديون المصرية (الداخلية والخارجية) قد بلغ 1.7 تريليون جنيه، متسائلاً عن هذا المبلغ «الضخم»، ومستنكراً بالقول: «هل مقبول أن نترك هذا الدين للأجيال القادمة؟ هل هذا هو الميراث الذي نورثه لأبنائنا وأحفادنا؟». رغم ذلك، تضاعفت تلك الديون خلال فترة حكمه الأولى، ليصل حجم الديون الخارجية خلال الربع الأول من العام المالي 2017/2018 إلى مبلغ 80.8 مليار دولار وفقاً للبنك المركزي، وبإضافة سندات بقيمة 4 مليارات دولار أُصدِرَت خلال شهر شباط/فبراير الماضي، وقرض روسي لإنشاء محطة الضبعة النووية لإنتاج الكهرباء بقيمة 25 مليار دولار، يصعد إجمالي تلك الديون إلى قرابة 110 مليارات دولار، وهو ما يعادل قرابة 2 تريليون جنيه. أما الديون المحلية، فارتفعت لتصل إلى مبلغ 3.16 تريليونات جنيه (قرابة 180.5 مليار دولار). بمعنى أوضح: ارتفعت الديون بمقدار 3.5 تريليونات جنيه (197.7 مليار دولار) قبل نهاية الفترة الأولى بشهور.
إلى جانب ملف الديون، قام السيسي بتعويم سعر صرف الجنيه أمام الدولار في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، ليرتفع سعره من 7 جنيهات للدولار في بداية حكمه إلى 17.5 جنيه للدولار الواحد مع نهاية فترته الأولى، أي إنّ العملة المحلية فقدت نحو 70% من قيمتها. وهذا ما أثّر بالحالة المعيشية ونسب الفقر بين المصريين التي كانت قد وصلت إلى 27% من عدد السكان عام 2015 (أي نحو 28 مليون نسمة من مجمل السكان البالغ عددهم نحو 104 ملايين نسمة)، وذلك طبقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء الذي يُحدد خط الفقر بمبلغ 482 جنيه شهرياً (27.5 دولاراً)، الذي توقع رئيسه أن يرتفع العدد من الفقراء كثيراً خلال الإحصاء الجديد المزمع إعلانه نهاية العام الجاري.

الحالة الأمنية
على رغم الخلفية العسكرية للرئيس السيسي، لكونه شغل مناصب رفيعة داخل الجيش مثل مدير جهاز المخابرات الحربية ثم وزيراً للدفاع، فإنّ فترة حكمه الأولى شهدت توسعاً نوعياً في العمليات الإرهابية (تنقّل الإرهاب بين سيناء ووادي النيل). فبعد حرب ضروس شهدتها منطقة شمال سيناء راح ضحيتها المئات من الجنود والضباط، بالإضافة إلى آلاف المدنيين (في عمليات كان أبرزها إطلاق النار على المصلين في مسجد الروضة، الذي أدى إلى مقتل أكثر من 300 مصلٍّ)، اتخذ الإرهاب اتجاهاً جديداً ليضرب قلب العاصمة وعدداً آخر من المحافظات، فاستطاعت الجماعات الإرهابية تفجير موكب النائب العام الراحل المستشار هشام بركات في حزيران/يونيو عام 2015، في حي مصر الجديدة، المعروف بالحضور الأمني الشديد، لوجود الكلية الحربية والقصر الرئاسي فيها، كذلك استُهدِفَت الكاتدرائية المرقسية بالعباسية وسط القاهرة بهجوم أدى إلى مصرع 29 شخصاً وإصابة العشرات، بالإضافة إلى نصب كمين لقوات من الأمن الوطني والقوات الخاصة التي تُعد قوات النخبة في الشرطة المصرية في طريق الواحات بمحافظة الجيزة جنوب العاصمة في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ما أدى إلى وقوع عشرات القتلى في صفوف قوات الأمن (قدرتها مصادر أمنية بمقتل 52 ضابطاً ومجنداً، قبل أن تعلن وزارة الداخلية أن العدد هو 16 فقط). كذلك شهدت محافظة الإسكندرية عدة تفجيرات وعمليات إرهابية، كان آخرها استهداف موكب مدير الأمن قبل ثلاثة أيام، الذي أدى إلى مقتل اثنين من قوات الشرطة.

على الصعيد الخارجي، عرفت القاهرة تنازلات سياسية كبيرة


وعلى الجانب الآخر، شهدت مصر قبضة أمنية شديدة خلال الفترة الأولى من حكم السيسي، استهدفت العمل السياسي والحقوقي والمدني عموماً: قبضت قوات الأمن على أشخاص كثر، وأصدرت قرارات بالمنع من السفر وبمُصادرة أموال آلاف الناشطين والسياسيين والصحافيين والعاملين بالمجتمع المدني، لعلّ أبرزهم علاء عبد الفتاح وأحمد دومة والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح المرشح الرئاسي السابق، وكذلك رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق سامي عنان، على خلفية إعلانه الترشح للانتخابات الرئاسية في مواجهة السيسي. وقد قُدِّر عدد المُعتقلين منذ عزل الرئيس الإخواني السابق محمد مرسي، وحتى نهاية الفترة الأولى للسيسي، بعشرات الآلاف، بالإضافة إلى محاكمة أكثر من 7500 مدني عسكرياً، بينما بلغت أحكام الإعدام أكثر من 2300 حكم (لم تنفذ جميعها)، وسط تسجيل المئات من المختفين قسراً، بينما زاد عدد السجون الجديدة في تلك الفترة فقط بمقدار 17 سجناً جديداً.

مكانة مصر
على الصعيد الخارجي، شهدت مصر في عهد السيسي تنازلات خارجية كبيرة وتقارباً شديداً مع الكيان الإسرائيلي.
استناداً إلى اتفاقية إعادة ترسيم للحدود البحرية مع السعودية، تنازل السيسي عن جزيرتي تيران وصنافير للرياض، برغم حكم نهائي من مجلس الدولة قضى بثبوت أحقية مصر فيهما. تلك الاتفاقية حوّلت مضيق تيران الاستراتيجي من مضيق مصري إلى مضيق دولي لمصلحة إسرائيل، وأصبح السيسي أحد أهم حلفاء الدولة العبرية علانيةً. ذلك التقارب شهد لقاءات سرية وعلنية، بين السيسي ورئيس وزراء الاحتلال، كذلك أقدم النظام على التصويت للدولة الصهيونية في الأمم المتحدة لأول مرة في التاريخ، وذلك لتمكينها من عضوية لجنة الاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي بالمنظمة الدولية، بالإضافة إلى شراكات تجارية ضخمة، كان أبرزها توقيع اتفاق لاستيراد الغاز الطبيعي من دولة الاحتلال بقيمة 15 مليار دولار ولمدة 10 سنوات. كذلك كان الحال بالنسبة إلى الموقف المصري تجاه القضية الفلسطينية، حيث تطوّع السيسي ليكون أول من يُعلن إجراء تسوية للقضية تحت مسمى «صفقة القرن» برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي اتخذ موقفاً شديد القرب من الاحتلال ضد حقوق الفلسطينيين (أصدر ترامب قراره الشهير بنقل سفارة بلاده إلى مدينة القدس المحتلة والاعتراف بها عاصمةً للاحتلال، وسط رد فعل مصري باهت على المستوى الرسمي).
على الرغم من العثرات الكبيرة التي كانت تواجه جمهورية مصر العربية مع بداية تولي السيسي رئاسة الجمهورية عام 2014، إلا أن أداءه كان أشد سوءاً مما تخيله المتابعون. ومع انتهاء الفترة الأولى والتحضير لتولي الفترة الثانية عبر انتخابات شكلية، يترقب المصريون بخوف ما ستؤول إليه الأوضاع في بلادهم... بخاصة بعد ما عانوه خلال الأعوام الأربع الماضية.