تونس | لا تعود الأزمة بين المنظمة النقابيّة الأكبر في البلاد وحكومة يوسف الشاهد إلى الأشهر الأخيرة فقط. كانت بذورها موجودة منذ البداية، أي منذ توقيع «اتفاق قرطاج» منتصف عام 2016 لتجاوز فشل حكومة الحبيب الصيد، وتأسيس «حكومة وحدة وطنيّة» يدعمها الموقّعون الذين يتكونون من أحزاب (انسحب عدد منها تدريجاً) ومنظمات وطنيّة، أهمها اتحادا «الشغل» و«الأعراف».

لغة الوثيقة الفضفاضة، التي تتحدث عن حلّ جميع الملفات بالحوار وبصفة تشاركية، سمحت لكلّ طرف بأن يعتقد أنّها تخدم مصلحته ورؤيته المحددتين مسبقاً. يمكن هنا الحديث عن توجّهين: الأوّل خطّط له صندوق النقد الدوليّ وتتبناه الحكومة ويتبناه جزئيّاً «اتحاد الأعراف» (أصحاب الشركات والمؤسسات)، فيما يُدافع الثاني عن الشركات العموميّة والدور التنمويّ القويّ للدولة، ويتبناه «اتحاد الشغل». على أرض الواقع، لم تصل مفاوضات هذا الثالوث إلى نتائج تذكر، فكلما سعت الحكومة إلى تطبيق إجراء، تصدّى لها أحد الاتحادين.
آخر الملفات التي ظهر فيها «الانسداد»، هو «إصلاح الصناديق الاجتماعيّة»، وهي للإشارة ثلاثة صناديق، اثنان منها للتقاعد، وواحد للتأمين الصحيّ، تعاني من عجز هيكليّ وتتدخل الدولة سنويّاً لضخّ المال فيها من الموازنة، وتُعَدّ أحد أهم مكتسبات «دولة الرعاية الاجتماعيّة». قدّم رئيس الحكومة يوم الجمعة لأعضاء البرلمان برنامجه لإصلاح الصناديق، وقال إنّ «كلفة البقاء على هذه الحال أعلى بكثير من كلفة الإصلاح»، لذلك سينطلق في القريب العاجل في تطبيق البرنامج، حتى ولو كان وحيداً، وهو مستعد لذلك «مهما كانت الكلفة السياسيّة».
يشمل برنامج الحكومة تشخيصاً لعناصر أزمة الصناديق، أهمها: ارتفاع عدد العاطلين من العمل، ظهور أشكال جديدة من العمل الهشّ وغير المستقر، تهرّب المؤسسات من التصريح بالعدد الحقيقيّ لعمّالها، توسّع الاقتصاد غير المنظم الذي يساهم حسب التقدير الرسميّ بنصف الناتج الداخلي الخام ويشغّل 40 في المئة من اليد العاملة خارج الأطر المنظّمة، استخدام فوائض الصناديق في استثمارات غير مجدية، تراكم الديون الشركات لدى الصناديق، التحوّل الديموغرافي، وارتفاع تكلفة العلاج.
لحلّ ذلك، تقترح الحكومة تعديلاً في صيغ احتساب أجر التقاعد في القطاعين العام والخاص، وترفيع قيمة مساهمات المنخرطين والشركات، والترفيع في سنّ التقاعد تدريجاً. ورغم تطبيق اقتطاع مساهمات إضافيّة من أجور العمال بالفعل، يرفض «اتحاد الأعراف» تقديم الشركات لمساهمات إضافيّة لمصلحة الصناديق، فيما يرفض «اتحاد الشغل» بدوره الترفيع في سنّ التقاعد وجوبيّاً، ويوافق على ترفيعه اختياريّاً بطلب من الموظف أو العامل نفسه (من جهتها أحيت نقابة التعليم الثانوي طلبها القديم بخفض سنّ التقاعد باعتبار المهنة شاقّة، ويمثّل هذا المطلب جزءاً مهماً من الصراع القائم مع الحكومة ــ «الأخبار» العدد 3427).
ضمن نفس السياق، تحدث الشاهد أيضاً عن ملف هو الأهمّ بالنسبة إلى «اتحاد الشغل»، حيث ذكّر بديون الشركات العموميّة لدى الصناديق الاجتماعيّة التي تتجاوز 250 مليون دولار، ورأى أنّ «ذلك لا يمكن أن يتواصل»، ودعا إلى التفرقة بين الشركات العموميّة التي تقدم «خدمات أساسيّة»، مثل شركات المياه والكهرباء والنقل، والشركات التي تعمل في قطاعات تنافسيّة لا ضرورة في الاحتفاظ بها، ويمكن بالتالي خصخصتها.

بما يخص استمرارية الحكومة الحالية، كان الطبوبي مشككاً


رداً على ذلك، صعّد نور الدين الطبوبي، في اليومين الماضيين، من شدّة تصريحاته المستهدفة للشاهد، وأعلن عقد سلسلة اجتماعات عماليّة حاشدة للاحتجاج على ما جاء في خطابه أمام البرلمان. وقال، أمس، في تجمّع نقابيّ في مدينة بنزرت التي تحوي أحد أكبر الأقطاب الصناعيّة في البلاد، إنّه «يُحيّي في رئيس الحكومة حماسة الشباب، لكن العنجهية لا تمرّ مع الاتحاد». وأضاف: «الحكومة تنتهج سياسة الهرب إلى الأمام، لكنها ستجد أنّ الاتحاد يتصدى لها في معركة اجتماعيّة لن يتراجع عنها مهما كانت التكلفة». ورأى أنّ الحكومة «ليست جادة في المفاوضات، ولا تمتلك البدائل»، مشيراً إلى عدم توقيع الشاهد على الأوامر الترتيبيّة المنظمة لـ«مجلس الحوار الاجتماعيّ» منذ العام الماضي، وهو المؤسسة التي من المفروض أن تُتداول فيها هذه الملفات بين ثالوث «الاتحادين والحكومة». كذلك كرر الأمين العام لـ«الاتحاد» انتقاد تركيبة الحكومة بوصفها «حكومة محاصصة وترضيات... حيث خُلقت وزارات فقط لترضية الأحزاب وليس لخدمة تونس»، مضيفاً أنّ «مستثمرين تعرضوا للابتزاز وطلبت منهم رشوة». وحول «الحرب على الفساد» التي أعلنتها الحكومة قبل أشهر، ونتج منها سجن عدد من المهربين ورجال الأعمال، قال الطبوبي: «توجد عصابات تهريب موّلت عدداً من الأحزاب، ولا يمكن إيقافها لأنّها ستفضحهم».
أما في ما يخص استمرارية الحكومة، فقد شكك الطبوبي في ذلك، مذكِّراً باجتماع الموقعين على «اتفاق قرطاج» قبل أسبوعين. وقال إنّ اجتماع «لجنة التقويم» الذي سيُعقد اليوم الاثنين، سيحدد أولويات الحكومة التي ستختار في ضوئها التركيبة وشخصيّة الرئيس، مضيفاً أنّه «يُمكن أن (يقودها) يوسف الشاهد (مجدداً)، كذلك يمكن أن يُختار غيره». وقد يُمكن اعتبار هذا التصريح مساومة أخيرة للشاهد على مواقفه، لكن يبدو من النبرة التي استخدمها رئيس الحكومة أمام البرلمان أنّ موقفه قد حُسم بالفعل، ما يجعل الكرة الآن في ملعب رئاسة الجمهوريّة ونواب الائتلاف الحاكم (القائم أساساً على حركتي «النهضة» و«نداء تونس»)، فإما أن يسند الرئيس و«نوابه»، الشاهد، أو يتراجعوا عن ثقتهم فيه لأجل الحفاظ على علاقات طيّبة مع «الاتحاد».

البرلمان مشغول بـ«المصالحة»

يبدو أنّ تغيير الحكومات صار أمراً معهوداً في تونس إلى درجة صار معها الموضوع هامشيّاً، إذ لم تحظَ جلسة استماع الحكومة يوم الجمعة بحضور أو نقاشٍ حامٍ بقدر ما حظيت به جلسة التصويت على قرار «هيئة الحقيقة والكرامة» بتمديد مهماتها. فنهاية الشهر الماضي، قرر مجلس «هيئة الحقيقة والكرامة» التي تتولى إجراءات «المصالحة» مع العهود السابقة، التمديد في عمل الهيئة لمدة عام إضافيّ. وفتح الاختلاف في تأويل فصل في القانون المنظّم لعملها الباب أمام تجدد الصراع بين «نداء تونس» وعدد من الأحزاب المعارضة لعمل الهيئة الدستوريّة، و«حركة النهضة» و«الجبهة الشعبيّة» وعدد من الأحزاب الأخرى المدافعة عنها.
في حينه، قرر نواب «النداء» وحلفاؤهم رفض تمديد «الهيئة» لنفسها والتصويت على قرار التمديد برلمانيّاً. وقد عُقِدت أول من أمس، جلسة بالخصوص، لكن اختلف نواب الطرفين حول توافر نصاب التصويت من عدمه، ما أدى إلى مشاحنات كلاميّة قادت إلى تدافع بالأيادي، رُفعت إثره الجلسة وأُجِّلَت إلى اليوم.
وتسعى «حركة نداء تونس» منذ قدومها إلى السلطة إلى عرقلة عمل «الهيئة»، إذ سبق أن اقترح رئيس الجمهوريّة قانوناً لـ«المصالحة الاقتصاديّة والإداريّة»، حُصر بعد تظاهرات وضغط شعبيّ في الجانب الإداريّ وصوّت عليه البرلمان نهاية العام الماضي. وتسعى اليوم الحركة إلى إطاحة «الهيئة» وتعويضها بقانون مصالحة يُمرّر في البرلمان.