تونس | تركزت مساهمة أميركا في العامين الماضيين بشكل شبه حصريّ في «مقاومة تنظيم الدولة الإسلاميّة» في ليبيا، حيث شاركت «بكثافة» في الحملة التي استهدفته في مدينة سرت الساحليّة، ونفّذت طائراتها ضمنها حوالى 500 غارة في عام 2016، وثماني غارات منذ وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة، منها غارتان هذا العام.

وبينما لم تكشف «القيادة العسكريّة الأميركيّة في أفريقيا ــ أفريكوم»، في بيان أمس، هوية المستهدفين رغم تأكيد انتمائهما إلى «القاعدة»، فإنّها قالت إنّ «هؤلاء الإرهابيّين استخدموا ملاذات آمنة وحريّة الحركة في ليبيا لشنّ هجمات إرهابيّة خارجيّة في الدول المجاورة».
وهذه هي المرة الأولى التي تُستهدف فيها مدينة أوباري وضواحيها، إلا أنّ العملية كانت دقيقة وفق ما أظهرته صور انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي. وبدوره، لم يصدر التنظيم، حتى يوم أمس، بياناً ينفي أو يؤكد المعلومات. وقالت مصادر محليّة إنّ الغارة استهدفت منزلاً يقصده غرباء في «حيّ الشارب»، وأنّ مجموعة مسلحة توجهت بعد القصف إلى المنزل وقطعت رأسي القتيلين، في محاولة على ما يبدو لإخفاء هويتيهما، وأضافت أنّه استمر رصد تحليق الطائرات المسيّرة فوق المنطقة حتى يوم الأحد (أول من أمس).
في حديث إلى «الأخبار»، قال منسّق ليبيا في «مركز دعم التحوّل الديموقراطيّ»، حسن كدنوا، إنّ «الأهالي يعلمون منذ مدة بوجود مقاتلين نشطين في المنطقة المعروفة باسم خطّ الوادي، وهي مؤلفة من مجموعة قرى وتسمح تضاريسها بالتنقل والتخفّي بيسر»، موضحاً أنّ «المنطقة تقع في مثلث حدوديّ مع الجزائر وتشاد والنيجر، يحمل أهميّة استراتيجيّة».

لم يصدر خليفة حفتر بياناً يظهر موقفه من الغارة في أوباري


وقالت ديبورا جونز، السفيرة الأميركيّة في ليبيا بين عامي 2013 و2015، في تصريح إلى صحيفة «نيويورك تايمز»، إنّ «العمليّة تبدو استمراراً لتوسيع نشاط الأفريكوم في المناطق الليبيّة غير الخاضعة للحكومة». وتعمل الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة على توسيع حضورها في منطقة الساحل، حيث يوجد حوالى 800 جنديّ أميركيّ في النيجر، وتعمل هناك على تركيز قاعدة للطائرات المسيّرة تكون مركزاً للغارات في المنطقة، وقد قُتل في تشرين الأول الماضي أربعة جنود أميركيّين من القوات الخاصة، في كمين تبنّاه تنظيم «داعش».
وبرز «داعش» في الساحل الأفريقيّ عام 2015، حيث يوجد فرع له يحمل اسم «الدولة الإسلاميّة في الصحراء الكبرى»، وارتفعت منذ تأسيسه وتيرة عملياته وأعداد أعضائه، لكن يبقى «تنظيم القاعدة» الفاعل الأبرز في المنطقة، خاصّة بعد تأسيسه منتصف العام الماضي تحالفاً يجمع فروعه تحت اسم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين». وشنّ «تنظيم القاعدة» عدداً من العمليات المهمّة في المناطق القريبة من أوباري، أبرزها استهداف حقل عين أميناس الغازيّ في الجزائر عام 2013، وتقول وسائل إعلام غربيّة إنّ أميركا شنّت عام 2015 غارة في ليبيا استهدفت مختار بلمختار، زعيم تنظيم «مرابطون» الذي نفّذ العمليّة في الجزائر، من دون وجود تأكيد رسميّ.

استثمار العمليّة محليّاً
عقد أمس محمد السلاك، وهو المتحدث باسم المجلس الرئاسيّ (حكومة الوفاق برئاسة فائز السرّاج)، ندوة صحافيّة أكد فيها أنّ عمليّة أوباري تمت بـ«التنسيق مع حكومة الوفاق الوطنيّ»، وتأتي في سياق «التعاون الاستراتيجي بين البلدين»، وهو أمر أكده بيان «الأفريكوم». وللأمر أهميّة سياسيّة محليّة في ليبيا، إذ تتنافس سلطات الشرق والغرب لتحصيل الدعم الدوليّ والتقرب من القوى المؤثرة وتحقيق سيطرة ميدانيّة على الجنوب المنفلت.
وتأتي الغارة في سياق تواصل عمليّة «فرض القانون» التي أطلقتها القوات التابعة لخليفة حفتر بداية الشهر الجاري. وكانت قواته التي تسيطر على قاعدة «براك الشاطئ» الجويّة في الجنوب الغربي الليبيّ وتفتقد حلفاء ميدانيّين، قد أعلنت تنفيذ غارات جويّة على الحدود مع تشاد يوم السبت الماضي. وأعلن الفصيل التشاديّ المعارض «مجلس القيادة العسكريّة لإنقاذ الجمهوريّة»، في بيان له، تعرّض أحد معسكراته لأضرار ماديّة جراء القصف، وندّد بما اعتبره «اعتداءً سافراً غير مقبول».
ولم يصدر حفتر، الذي يتخذ من مدينة بنغازي شرق البلاد مركزاً لإدارة عملياته، بياناً يظهر موقفه من الغارة في أوباري، ما يعكس سياق التنافس بينه وبين غرمائه في العاصمة طرابلس. وحول هذه المسألة، يقول الباحث في الشأن الليبيّ، جلال حرشاوي، في حديث إلى «الأخبار»: «اتضح أنّ فاعلين كثيرين لم يشاركوا في محاربة داعش في سرت عام 2016، ومن بينهم حفتر»، مضيفاً أنّ «من قاتل فعليّاً هم المنخرطون في البنيان المرصوص المرتبطون اسميّاً بحكومة الوفاق الوطنيّ». ويرى حرشاوي أنّه نتيجة لذلك، «دعّم البنتاغون علاقته مع حكومة الوفاق وواصل العمل معها في تنسيق غاراته الموسميّة»، لكنّه استدرك بالقول إنّ ذلك «لا يعني عدم وجود علاقة بين البنتاغون وحفتر، لكن عدم محاربته لداعش، خاصة في منطقة سرت والهلال النفطيّ، قد يعود إلى تفضيله عدم استثمار قوات وعتاد في حرب تخوضها بالفعل الولايات المتحدة بالتنسيق أحياناً مع البنيان المرصوص».
أبعد من ذلك، يقترح الباحث إمكانيّة وجود بُعد دوليّ في عمليّة أوباري، إذ يقول إنّ «من المحتمل أن تكون الولايات المتحدة قد نفّذت العمليّة لمصلحة فرنسا التي تحارب المجموعات المرتبطة بالقاعدة في منطقة الساحل، خاصّة أنّ قاعدة الطائرات المسيّرة التي خططت فرنسا لإنشائها، لن تبدأ العمل في المنطقة إلاّ بحلول العام المقبل».