للوهلة الأولى، توحي المواقف والاستعدادات الإسرائيلية مع قطاع غزة، كأنها تتهيأ لمواجهة حشد عسكري سيجتاح المستوطنات المحيطة بالقطاع، وللتصدي لعملية التحرير التي على وشك أن تبدأ من جبهتها الجنوبية. وأكثر ما برز القلق الإسرائيلي في رسائل التهديد التي وجهها القادة الإسرائيليون إلى قادة المقاومة والجمهور الفلسطيني بهدف ثنيهم عن هذه الخطوة، وأيضاً في حجم الاستعدادات التي تظهرها كأنها تستعد لأسوأ السيناريوات، وهو إجراء مفهوم ويتناسب مع طبيعة مهمة وتفكير المؤسستين العسكرية والاستخبارية، لكن المواقف التي واكبتها تكشف عن أنها تتعامل مع مسألة ترى فيها تل أبيب تحدياً جدياً. فهل تبالغ القيادة الإسرائيلية أم أنها تنظر بخطورة فعلية إلى الحراك الذي يشهده القطاع، ولماذا؟

على المستوى التكتيكي، تشكّل مسيرة العودة تحدياً للمؤسسة الأمنية، لجهة أن المطلوب منها مواجهة مسيرات شعبية كبيرة سلمية تطالب بحقها في العودة إلى وطنها، ولذلك يتخوفون في تل أبيب من تجاوز الحواجز التي تفصلهم عن بقية وطنهم. وترى المؤسسة العسكرية قبالة تصميم وحماسة المشاركين أنها قد تواجه حالات تجاوز لهذه الحواجز، وهو ما سيشكل قدراً من الإحراج (مع التسامح في التعبير)، في حالتي استخدام النيران القاتلة أو الامتناع عن ذلك.
ففي الحالة الاولى، سيشكل الاحتكاك بين قوات الاحتلال والجماهير الفلسطينية المحتشدة إعادة تصويب لوجهة الصراع، في الوقت الذي تتركز فيه المساعي لتأجيج الخلاف الفلسطيني ــ الفلسطيني، وحرف وجهة الصراع نحو عناوين بعيدة عن مواجهة الهجمة الأميركية على الشعب الفلسطيني ومقاومته السلمية والمسلحة.
وفي حال امتناع إسرائيل عن القمع، سيشكل ذلك مؤشر ضعف تتخوف جراءه المؤسسة الإسرائيلية من أن يبدو أن هناك قيوداً على قراراتها وخياراتها القمعية، وهو ما قد ينطوي وفق حسابات محدَّدة تحضر عادة لدى المؤسسة الأمنية على تشجيع الشعب الفلسطيني لتكرار مثل هذه الخيارات لاحقاً، هذا مع الإشارة إلى أن الطابع السلمي للمسيرة سينزع من إسرائيل مبرر استخدام القوة المفرطة، التي تحاول تجنبها عبر إطلاق التهديدات الرادعة.
وتشكل مسيرة العودة محطة إضافية في سياق حركة الصراع، وتزخيم حركة الانتفاضة الشعبية ضد الاحتلال، وهو مسار بدأ يأخذ أساليب تصاعدية منذ إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، القدس عاصمة للكيان الإسرائيلي، وتأتي كخيار مواكب لعمل المقاومة المسلحة التي تستهدف جنود الاحتلال والمستوطنين، وذلك في مسار تكاملي على قاعدة توظيف الإمكانات كافة لمواجهة تحديات المرحلة التي تمرّ بها القضية الفلسطينية.
مع ذلك، تبقى لمسيرة العودة خصوصية محدَّدة، لكونها تأتي في مواجهة مخطط تصفية القضية الفلسطينية على مستوى الوعي العربي والعالمي، كجزء من «صفقة القرن». من هنا، إن بعض ما يفسر التوتر الاسرائيلي وكل من له مصلحة بتمرير هذه الصفقة أن هذه المسيرة الشعبية تشكل انتصاراً على مستوى الوعي؛ بمعنى أن مجرد نجاح فصائل المقاومة الفلسطينية في تحويل المسيرة إلى تظاهرة جماهيرية واسعة تعبر عن توجهات وآمال الشعب الفسطيني يشكل انتصاراً حقيقياً لا تستطيع مقابله إسرائيل ومن يؤازرها الحؤول دونه. وأهمية هذا النوع من الحراك الشعبي أنه يندرج ضمن سياسة الرد الفلسطيني الذي يهدف إلى تكريس حق العودة في الوعي العام، ويعزز حضوره على المستويين العربي والعالمي. وتتزايد ضرورة هذا الإنجاز لكونه يحاكي طبيعة المرحلة التي تمر بها القضية الفلسطينية.
أما عن موقع هذه المسيرة ودورها في الانتفاضة الشعبية، فإن تقييمها يأتي كجزء من مسار، وليس على نحو استقلالي. وتجسد المسيرة في التوقيت والعنوان والأسلوب تجسيداً للإبداع الفلسطيني على المستويين الشعبي والفصائلي في إدارة حركة المقاومة ضد الاحتلال. مع ذلك، هذا الإنجاز مشروط باستمرار الحراك الشعبي والمقاوم على نفس المسار بغض النظر عن التكتيكات والأساليب، وهو ما يتوقع أن يتواصل، بل هو ما أثبته الشعب الفلسطيني مراراً في مواجهة الهجمة المتعددة الجبهات العربية والإسرائيلية والغربية التي تستهدف النيل منه استكمالاً لمخطط الاستيطان والاحتلال.
تبقى الحقيقة أكثر حضوراً في حسابات القيادة الإسرائيلية أن مسيرة العودة تكشف عن تصميم فصائل المقاومة وقياداتها على مواجهة التحديات التي تمر بها القضية، وتعكس إصرارها على التصدي ومقاومة أي محاولات تصفية القضية الفلسطينية. على هذه الخلفية، إن إسرائيل التي تواجه الإنسان الفلسطيني المحتشد على حدود القطاع، يحضر في وعي صناع قرارها السياسي والأمني الخطوات التصاعدية التي سيلجأ إليها في اليوم التالي والشهر المقبل، والسنوات اللاحقة.