صفحة جديدة من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني ستكتب غداً عند حدود غزة مع باقي أرض فلسطين المحتلة. لقد أظهر الإجماع الشعبي والسياسي على قرار تنظيم مسيرات العودة أن الوحدة الوطنية الحقيقية يتم بناؤها على قاعدة المواجهة مع الاحتلال وحول الهدف الأول والأساس للحركة الوطنية الفلسطينية عند انطلاقها وهو العودة الى الأرض السليبة. فقضية فلسطين، قبل أن تكون قضية حق في تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة، هي قضية صراع على الأرض بين شعب فلسطين والاستعمار الاستيطاني الصهيوني. مسيرات العودة على المستوى السياسي والرمزي تعيد القضية إلى مربعها الأول، أي حق الشعب الفلسطيني بالعودة الى أرضه، ضاربة عرض الحائط بعملية السلام المزعومة وبجميع المشاريع والمقترحات لتسوية هذه القضية، القائمة على إنكار هذا الحق على غالبية من هجر من مدنه وقراه عام 1948. قلق القيادات الصهيونية العسكرية والسياسية الكبير من هذه المسيرات له ما يبرره. هي إثبات حي على فشل منظومة السيطرة والتحكم الصهيونية التي اعتبرت نموذجاً يحتذى من قبل عدد من القوى الدولية لكيفية التعامل مع كتل اجتماعية معادية أو متمردة، في تحقيق غاياتها، وفي مقدمتها كسر إرادة المقاومة لدى جماهير الشعب. وتأتي المسيرات أيضاً في سياق خطر بالنسبة إلى الاحتلال، من أبرز سماته تصاعد المقاومة بأشكالها المختلفة في القدس والضفة الغربية ضد جنوده ومستوطنيه.

الحصار الإجرامي، الإسرائيلي ـــ العربي ـــ الدولي، الذي يتعرض له قطاع غزة منذ اثني عشر عاماً، بسبب تصويت غالبية فلسطينية لمصلحة حركة حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، كان جزءاً من استراتيجية أشمل تتضمن ترسانة واسعة من السياسات والأدوات ترمي إلى معاقبة السكان والتنكيل بهم لكسر إرادتهم وإخضاعهم مجدداً لسلطة الاحتلال من دون أن ينتشر جنوده بين السكان بالضرورة. إسرائيل أرادت أن يتحول قطاع غزة إلى سجن بالهواء الطلق، تتحكم بمداخله ومخارجه وبحياة سكانه كما يتحكم السجانون بالسجناء عبر أنظمة المراقبة والتنصت وعبر استخدام العنف بدرجات متفاوتة، رداً على أي فعل مقاوم، من الاغتيال الفردي الى المجازر الواسعة النطاق، وتدمير المناطق السكنية والبنى التحتية واستخدام أحدث الأسلحة الفتاكة لـ«كيّ الوعي» وحمل الشعب على الاستسلام. حرب إسرائيل، كما في جميع مواجهاتها مع حركات المقاومة في لبنان وفلسطين، تستهدف السكان باعتبارهم الحاضنة الاجتماعية التي تؤمن لهذه الحركات جميع أسباب الاستمرار والصمود والانتصار. لكن استراتيجية إسرائيل وترسانة أدواتها عجزت عن منع غزة من أن تتحول إلى قلعة للمقاومة، رغم الصعوبة الاستثنائية لظروفها، وأولها المشاركة المصرية والسعودية ـــ الإماراتية في محاصرتها. وقد كشفت الحروب الثلاث التي شنّت على القطاع طاقة أسطورية على المقاومة لدى شعب غزة المحاصر ومقاتليه، بل وقدرة على الانتقال الى تكتيكات هجومية أذهلت قادة الاحتلال وجنوده خلال حرب عام 2014 وتطور في الإمكانات العسكرية والصاروخية لديهم. لم يتجرأ الجيش الإسرائيلي على اجتياح القطاع خلال حروبه الثلاث، كما فعل عام 2002 مثلاً لمعرفته أن خسائره ستكون باهظة، وأي تقويم نزيه لحرب 2014 سيفضي حتماً إلى أن نتائجها السياسية كانت ستكون لمصلحة حركات المقاومة لولا الموقف المصري ـــ السعودي ـــ الإماراتي.
ظروف القطاع الشديدة الصعوبة نتيجة الحصار المستمر، والتي تصفها حتى تقاريرالأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية بالكارثية، لم تدفع حركات المقاومة الى تقديم أي من التنازلات المبدئية المطلوبة من قبل أعداء الشعب الفلسطيني الصهاينة والإقليميين والدوليين للتخفيف منه. لكن نافذة فرص لكسر الحصار تفتح الآن مع السياقات السياسية والميدانية المستجدة. فالضفة الغربية والقدس تشهدان منذ أكثر من عامين تصاعداً في النضال ضد الاحتلال مرشحاً للتعاظم في الأشهر القادمة، وخاصة في الفترة التي سيتم فيها نقل السفارة الأميركية الى القدس ليتحول الى انتفاضة شعبية واسعة. وقطاع غزة، الذي أدى دوراً طليعياً خلال الانتفاضتين الأولى والثانية، إذا بادر الى المواجهة الشعبية المباشرة مع قوات الاحتلال عبر مسيرات العودة التي ستضم حسب المنظمين عشرات الآلاف من أبناء الشعب وعائلاته، سيساهم بشكل حاسم في توسع هذه الانتفاضة.
ولا شك في أن المواجهة إن اندلعت على حدود القطاع سيكون لها تداعيات كبرى على أطراف «صفقة القرن» وستكون عاملاً إضافياً، بين عوامل أخرى كثيرة، لتهديد استقرار أنظمتهم المعدومة الشرعية والفاشلة على جميع الصعد. غزة التي حاول البعض وضعها بين المطرقة والسندان ستحطمهما معاً.