كان الليل يقترب من الانتصاف حين اقترب منا شرطي يسألنا عن سبب وقوفنا في شارع الحبيب بورقيبة، القلب النابض للعاصمة التونسية. كنت برفقة صديقي ونديمي بصدد تدخين سيجارة أمام تمثال العلامة ابن خلدون الذي يقع بين كاتدرائية القديس «سان فانسون دي بول» وسفارة فرنسا بأسلاكها الشائكة وفرق الجيش والشرطة المحيطة بها. كنّا غالباً ما نختار مكاناً يحمل رمزية معينة نقف أمامه لنسرح بأحلامنا بعيداً، بعد احتساء ما تيسّر من كحول حانات العاصمة.

«ماذا تفعلان هنا في هذا الوقت؟»، سأل بعنجهية وصلف. «لا يوجد ما يمنع وقوفنا هنا ليلاً أو نهاراً»، ردّ أحدنا ببرود، قبل استكمال الحديث.
لم يستسغ الشرطي الإجابة اللامبالية، فنهر صديقي بقوة، طالباً منه احترام الشرطة، ومهدداً باقتياده إلى المخفر و«تلقينه الأدب غصباً عنه». ربما لم يكن يدرك أنّ صديقي بعد قوارير الجعة التي احتساها والأحلام التي كان يرسمها في خياله عن رحلته الآسيوية الأخيرة، له القدرة على قضاء أسبوع في المخفر، لا يفعل شيئاً سوى استفزاز عناصر الشرطة وهذا الرجل الذي توعده: «يبدو أنك سكران وسأحيلك على القضاء بتهمة السكر والعربدة والتشويش».
«بربك، أين ترى العربدة والتشويش في نديمين اختارا أن يتناجيا مع عالم الاجتماع ابن خلدون؟»، أجابه صديقي بكل سخريته المعتادة... «هل أزعجنا الدولة بوقوفنا هنا أم أزعجنا سفارة فرنسا؟ أعتقد أن لا ابن خلدون ولا القديس سان فانسون دي بول سيزعجهما وجودنا، بالعكس سيفرحان لأن هناك في هذه البلاد من لا يزال يذكرهما». «هل تعتقد أن دور الشرطي يتمثل في ازعاج الناس والتدخل في حياتهم الخاصة؟ لماذا لا تذهب لتفرض الأمن في الشوارع القريبة والمجاورة التي يحتلها السرّاق وقطاع الطرق والمتحرشون وحراس الحانات من أصحاب البطون المكتنزة الذين يزعجون المارة ذكوراً وإناثاً؟».
شعر الشرطي ببعض الحرج من كلام صديقي، وأنا لم أذكر كلّ كلماته لأنّها في الغالب بذيئة وسوقية، ومعبّرة في آن. حاول تبرير تدخله بأننا نقف في «حالة سكر» أمام مكان حساس (سفارة فرنسا)، وهو أمر مثير للريبة، لكنه اطمئن الآن وسيتركنا في حال سبيلنا ويلتحق بزملائه الذين يتجنبون صقيع الليل في حافلة الشرطة.

لم نزعج الدولة في شيء بل هي من يتدخل يومياً لتقطع علينا أحلامنا


«ماذا يعني ذلك؟ في حالة سكر ندخن سيجارتين أمام سفارة فرنسا... هل أزعجنا السفير أو انتقصنا من هيبة أمّنا فرنسا؟». لا تبحث عن مبررات ولا تنزعج من كلامي، فأنا اتحدث معك بصراحة أخوين في هذا الوطن البائس، أضاف متوجهاً إلى ذلك الشرطي.
«العقلُ الأمني يتعامل معنا على أساس أننا مشتبه فينا إلى أن تثبت براءتنا، كلنا متهمون محتملون في نظركم، وطبعاً لا ألومك بل ألوم هذه الدولة التي أنشأتكم على هذا. أذكر أن زميلاً لك ارتاب من لحيتي وسألني إنْ كنتُ من المصلين أو من السلفيين، وحين تأكد من عكس ذلك، أشار إلى أن لحيتي شبيهة بلحية الشبان الذين يستمعون إلى أغاني بوب مارلي ويدخنون الزطلة (الحشيش)... كل ذلك وهو بصدد تحرير مخالفة مرورية ضدي بعدما ضبطني أتحدث بالهاتف أثناء القيادة».
أدرك الشرطي أنه قد وقع في مأزق، فصديقي ونديمي الدائم شاب ثلاثيني «ثوريٌّ» حالم، سليط اللسان، لديه تجارب مع ظلم البوليس ولم يستطع الحفاظ على كل الوظائف التي عمل بها لسلاطته. لم يكن في «حالة سكر» شديد، ولكنّه كان يسترسل في الكلام ويصرّ على إفراغ ما في جعبته: «ثم ألست أنت الشرطي الذي خرجتَ باكياً متوسلاً عقب هرب الرئيس المخلوع، تطلب العفو من الشعب وتتبرأ من النظام السابق وممارساته وتعهدت بتطبيق القانون واحترام المواطنين؟ لماذا انقلبتم بسرعة؟ لقد عدتم إلى لعب دور محاكم التفتيش: توقفون فتاة لأنها تتجول مرتدية تنورة قصيرة في الليل، تزعجون العشاق أينما ذهبوا وتعتبرون القبلة بينهما جرماً لا يُغتفر، فيما يمرّ أمامكم تجار السلع المهربة وتجار العملة في السوق السوداء واللصوص وقطاع الطرق ولا نجد لديكم الحماسة نفسها، بل لامبالاة تامة. بمجرد إيقافكم لمشتبه فيه، تعتقدون أن لديكم الحق في ضربه وشتمه وتعذيبه حتى قبل أن تعرفوا ما هي تهمته. تفتشون في ضمائر الناس وغرف نومهم».
لهذه الأسباب كلّها، وجود الشرطي عامل توتر وإزعاج لأنّه لا يهتم بالأمن فقط، بل يعتبر نفسه وصياً على الشعب ومن واجبه استغلال الزي الأمني لفرض سلطة مطلقة على الناس؛ عامل إزعاج لأنّ صديقي كان يُحدثني عن رحلته إلى آسيا الشرقية ودول كمبوديا والصين وماليزيا... كانت أحلامنا تعانق ذلك «الرب» الذي يعتلي الكنيسة المجاورة، ولم نزعج «الدولة» في شيء، بل هذه «الدولة» هي من يتدخل يومياً لتقطع علينا أحلامنا.
هكذا كنّا أيام بن علي: أطياف تجتمع في ما بينها، لتتذكر الماضي، وتلهو بالعبث الممل.
بأيّ حال، سنعود إلى ديارنا الآن لا نحمل عن هذا المكان سوى ذكرى سيئة عن شرطي ترك مشاكل البلاد وأمنها وجاء ليزعج حلمنا ويعكِّر صفاء مزاجنا الذي صرفنا عليه أموالنا في حانات هذه العاصمة المشوّهة.