حتى الطبيعة أعربت عن استيائها من المشهد الهزلي لانتخابات الرئاسة في مصر. العواصف الترابية التي ضربت مصر في اليومين الماضيين، وأسقطت لافتات التأييد وفضّت مجموعات التهليل لـ«المُرشح» عبد الفتاح السيسي، هي نفس العواصف التي دخلت البيوت، وحجبت صفحة السماء. ليس مفاجئاً أنّها تفتح الباب أمام عواصف سياسية ــ اقتصادية في حزيران/يونيو المقبل، عندما يتولى الرئيس المصري سدّة السلطة لولاية ثانية.

مصر التي لم تعرف تجربة ديموقراطية ولو بنسبة صفر بالمئة، في السنوات الأربع الأخيرة، وشهدت استمرار سجن الآلاف من الصحافيين والسياسيين المعارضين للحكم، وقمعاً للحريات ومنظمات المجتمع المدني، ستشهد قبضةً أشد من تلك في الفترة المقبلة.
هي عواصف الزمن الماضي نفسها: «من أين أبدأ والظلام، يلتفت في أقصى الوراء وفي الأمام! عرجاء حتى الذاكرة... والذكريات... أنا لا أجيد القول، قد أُنْسِيتُ في المنفى الكلام، وعرفتُ سرَّ الصمت... كم ماتت على شفتي في المنفى الحروف... الصمت ليس هنيهةً قبل الكلام، الصمت حرف لا يُخَطّ ولا يقال». نعم يا نجيب سرور، هو شعرك نستعيده، بعنوان قصيدتك التي يبدو أنّها تصلح لوصف هذه الولاية الثانية: «لزوم ما لا يلزم»، والتي تقول أيضاً في ما تقول: «ماذا تبقى عندكم؟ لم يبقَ شيء... فاهنأوا».
وقت كتابة هذه السطور، بانت المؤشرات الرسمية التي تؤكد أن السيسي حصل على 21.088.295 مليوناً بنسبة تصل إلى 90.53%، بينما حصل خصمه ومؤيده موسى مصطفى موسى، على 682.797 بواقع نسبة 2.93%، فيما قاطع حوالى 36 مليوناً عملية التصويت. كذلك بانت أنباء أنّ البرلمان سيُصدر خلال أيام قليلة اللائحة التنفيذية لقانون الجمعيات الأهلية الجديد، وهو قانون سيّئ السمعة، يُتيح لأجهزة المخابرات والداخلية السيطرة على أنفاس الحقوقيين وغلق مراكزهم بـ«الضبة والمفتاح»، خصوصاً تلك التي لم تُشارك في مُباركة فيلم «الزوجة الثانية» الرئاسي (السيسي ـــ صلاح منصور، وأبو العلا ـــ موسى مصطفى موسى)، وهي المنظمات المدنية ذاتها التي يُلاحق أعضاؤها بشبح قضية التمويل الأجنبي التي من المُتوقع أن تنتهي فصولها قبل نهاية العام الجاري، بأوامر رئاسية، خاصة أنّ المحامي الحقوقي خالد علي، أحد الذين كانوا ينوون الترشح للرئاسة، هو أحد المتهمين في قضية التمويل الأجنبي. لذا، من الأفضل التمهل قليلاً قبل مطاردة محامي تيران وصنافير الذي سبّب إحراجاً شعبياً للسيسي.
تلك العواصف التي باتت في البيوت، تحمل معها أيضاً أنباءً أنّ «الدولة» قد تتجه في ولاية السيسي الثانية إلى دعم تشكيل حزب سياسي كبير، من الذين شاركوا في جلسات منتدى الشباب في السنوات الأخيرة، بحيث يكون هذا الحزب الجديد ورقة في يد السيسي، حتى وإن كرر كلامه عن أنه على مسافة واحدة من كل الأحزاب. وهذا الحزب الجديد سيضم قطاعات من رجال الأعمال ورجال الدولة وأجهزتها، وبعضاً من فلول زمن حسني مبارك، فيما تختار الرئاسة سرّاً اسماً من أهل الثقة يتولى رئاسة هذا الحزب.
وبالفعل تمتلك «الدولة» خطة لإعداد كوادر من شباب مؤتمرات السيسي في هيئات الحكم المحلي ومواقع المحافظين ونوابهم. وسوف تنعكس التجربة الفعلية لهذه الفكرة في موسم الانتخابات المحلية المقبلة التي يُنتظر أن يُصدر البرلمان القانون الخاص بها في الفصل التشريعي المُقبل.
نعم، أحد الناخبين المصريين كتب للسيسي في بطاقة الاقتراع: «سيسي أنت نور عينيا»... وكتب للمرشح الآخر: «انت مين؟». صورة منقولة عن موقع جريدة الوطن المصرية. نعم، هكذا صوّت البعض للسيسي ولمرشح «الديكور».
هذه الصور لا تقول إنّه على المستوى الاقتصادي، ستُكمل الحكومة الجديدة ــ أو الحالية بقية اشتراطات صندوق النقد الدولي، وترفع الدعم عن المحروقات بحلول تموز/يوليو المقبل عقب إقرار الموازنة المالية الجديدة (2018 ــ 2019) ما سيُثير حالة من الاحتقان الاجتماعي نتيجة ارتفاع أسعار السلع والأدوية وفواتير المعيشة، وانخفاض قيمة الجنية وانعدام فرص العمل. وبحلول الشهر المذكور نكون أمام رئيس وزراء جديد، ومشهد إعلامي أكثر احتشاداً مع القرارات الاقتصادية الصعبة، خصوصاً أنّ إقرار قانون الإعلام الجديد من البرلمان سيعني رحيل الوجوه الحالية واستبدالها بوجوه «سيساوية أكتر من السيسي» في كافة المؤسسات الصحافية القومية وباقي أجهزة الإعلام الحكومي والخاص.
الحكومة تتكتّم على تفاصيل الموازنة الجديدة خوفاً من توقيت إثارة الجدل والانتقادات من جانب المواطنين، خصوصا أنّ هذه الموازنة تستهدف تحصيل 760 مليار جنيه جمارك وضرائب من جملة إيرادات أخرى متوقع أن تصل إلى 980 مليار جنيه، طبقاً لمصادر داخل وزارة المالية قالت إن بنود المعاشات والأجور والدعم ستحصل على نصيب متراجع من إنفاق الدولة. نعم... الجنرال المنتشي بفترة رئاسية جديدة لن يُضاعف فقط معدلات الركود السياسي والاقتصادي في البلاد، لكن قراراته المقبلة ستصيب الشارع بحالة من الاكتئاب العام.
تُريدون صورةً عن شوارع مصر؟ حسناً! سألتُ العامل وأنا أتناول وجبة فول وطعمية في محل شعبي معروف: «هو ليه محدش بقى ييجي المحل زي زمان؟ هي أسعارك زادت ولا إيه؟»، أجابني: «بالعكس... بس الناس ما بقاش لها نفس حتى تاكل». نعم، «لم يبقَ شيء... فاهنأوا!».