الجزائر | يوم السبت الماضي، كشف وزير الداخلية الجزائري نور الدين بدوي، عن «صعوبات كبيرة» تواجه السلطات في مسألة «الهجرة غير الشرعية» التي تعاني منها البلاد منذ سنوات. وأكد في ردّه على نواب في مجلس الأمة (الغرفة العليا في البرلمان) سألوه عن «الخطوات المتخذة لمعالجة هذا الملف»، أنه من غير الممكن تقديم إحصاءات دقيقة لعدد المهاجرين غير الشرعيين الموجودين داخل البلاد. ووصف العملية بالمعقّدة جداً لأنّها تستند فقط إلى تحريات تقوم بها جهات التحقيق وليس إلى تصريحات ممن يتعين إحصاؤهم. وأشار إلى أنّ قوى الأمن «تُسجّل ما معدله 500 محاولة دخول بطريقة غير شرعية يومياً عبر الحدود الجنوبية» مع النيجر ومالي، وهما أهم بلدين «مصدّرين» للمهاجرين إلى الجزائر، ويُشكلان أيضاً المنفذ الرئيس لبقية الوافدين من البلدان الأفريقية الأخرى (جنوب الصحراء) عبر حدود بمسافة تُقارب 2300 كيلومتر.

وقال بدوي إنّ الجهود المشتركة للسلطات المحلية في المحافظات الحدودية، مع الجيش، مكّنت من تقليص الظاهرة بالقياس إلى السنوات الماضية، لكن من غير الممكن التحكم بتدفق المهاجرين من دون تعاون إقليمي ودولي ومن دون اتباع مقاربة ذات أبعاد اجتماعية وإنسانية تُشجِّع سكان تلك البلدان على البقاء فيها.
لا توجد إحصاءات دقيقة لعدد المقيمين بصفة غير شرعية في الجزائر، لكن تقارير أمنية تقريبية، وأخرى صحافية، تُقدِّرهم بسبعين ألفاً على الأقل، معظمهم من الدول الأفريقية. نحو عشرة آلاف منهم ينتشرون في مدن وبلدات محافظات تمنراست واليزي وأدرار الواقعة أقصى الجنوب على الحدود مع مالي والنيجر وموريتانيا، حيث يستغلّ مزارعون وأصحاب ورش البناء والأشغال العامة القادرين من بين هؤلاء على العمل بصفة غير قانونية ويشغّلونهم بأجور زهيدة وفي ظروف قاسية، فيما يملأ الأطفال والنساء الشوارع بحثاً عن العمل أو استجداءً للعطف.
عدد المهاجرين زاد بشكل مثير في السنوات الست الأخيرة بسبب تطور الأحداث في مالي على إثر الانقلاب الذي أطاح بالرئيس أمادو توماني توري في 21 آذار/ مارس 2012، وما تلاه من استيلاء جماعات متشددة على شمال البلاد وإعلان إمارة إسلامية هناك، ثمّ التدخل الفرنسي المباشر، ما أدى إلى زحف آلاف العائلات الماليّة نحو الجزائر، وصار حضورها اليوم في الشوارع والساحات ضمن المشهد العام للمدن. كما لا بدّ من التذكير أنّ التدخّل العسكري في ليبيا هو ما وضع مجمل هذه المنطقة أمام مشهد استراتيجي جديد. وبالنظر إلى خطورة الموقف والتداخل الحاصل بين الهجرة غير الشرعية والإتجار بالبشر والمخدرات والسلاح والنشاط الإرهابي، سلّمت السلطات الملف بكامله لوحدات الجيش.
لقد شكّل هذا السيل الهائل من الدول الأفريقية المجاورة، إحدى أكبر معضلات الجزائر في السنوات الأخيرة. وقد اختلف الرأي العام بالخصوص، إذ ثمة من رأى أنّ استقبالهم واجب يوافق السياسة التي دأبت عليها البلاد منذ الاستقلال «تجاه الأفارقة وغيرهم ممن يحتاجون إلى المساعدة في العالم»، خاصةً أنّ مجرد مغامرتهم بالهجرة وقطع الصحراء الكبرى القاتلة يُشكّل دليلاً على أنّهم اضطروا لمغادرة بلدانهم بحثاً عن لقمة عيش وظل أمان. وبعدما وقعت مشادات عدة بين مجموعات من المهاجرين، أو بينها وبين شباب من الجزائر، ارتفعت أصوات في المجتمع تدعو إلى معالجة الموقف بأحد الأمرين: إمّا جمع المهاجرين وإيواؤهم في مراكز خاصة وتوفير شروط العيش لهم من قبل الدولة، أو ترحيلهم.
وفي ظلّ غياب اتفاقات بين الجزائر والدول المعنية بشأن التعامل مع المهاجرين غير الشرعيين، صنّفت أجهزة الأمن هؤلاء المقيمين بصفة غير قانونية بين عدة حالات، وباتت تتعامل معهم بحسب ظروفهم. تساهلت مثلاً مع من أرغمتهم الاضطرابات في بلدانهم على الهجرة، وأهمهم الآتون من مالي في السنوات الست الأخيرة، فوجدوا لأنفسهم أماكن للعيش ضمن مجموعات على حواف المدن. وما عدا هؤلاء، فقد انتهجت السلطات الجزائرية أسلوباً متشدداً عبر ترحيل الآلاف إلى بلدانهم بعد الاتفاق مع السلطات هناك.
في هذا الصدد، كشف الأستاذ في كلية العلوم السياسية في «جامعة الجزائر» إسماعيل دبش، وهو المتعاون مع رئاسة الجمهورية، في مداخلة على التلفزيون الحكومي قبل أسبوع، عن ترحيل أكثر من «30 ألف مهاجر» معظمهم من النيجر وبوركينا فاسو والكاميرون ونيجيريا والمناطق التي لم يشملها الاضطراب في مالي. وتكفّل «الهلال الأحمر الجزائري» بدعم من الإدارة المحلية في عدة ولايات بجمعهم ونقلهم إلى حدود بلدانهم، ولا تزال «دفعات الترحيل» مستمرة حتى الآن.
جدير بالذكر أنّ الجزائر ودول المغرب العربي الأخرى، كانت قد عرضت قبل نحو عشر سنوات مبادرة على مجموعة الـ «5+5» التي تجمعها مع دول متوسطية (إيطاليا، مالطا، فرنسا، إسبانيا، والبرتغال) لمعالجة موضوع الهجرة غير الشرعية تستند إلى مقاربة جديدة مبتكرة «تعتمد على إطلاق مشاريع تنمية متعددة الأبعاد في البلدان التي يتوافد منها عدد كبير من المهاجرين». واعتمدت المبادرة على دراسة أنجزها خبراء في معهد الدراسات الاستراتيجية في الجزائر تفيد بأنّ «الحروب ليست العامل الرئيس للهجرة، بل إنّ دوافع الحروب هي نفسها دوافع الهجرة، أي ضعف المستوى المعيشي وهشاشة البنيات الاقتصادية وانهيار قدرة الدولة على مواجهة الوضع». وجاءت المبادرة كبديل عن اقتراح أوروبي يقضي بإنشاء مراكز في الدول المغاربية «تموّلها أوروبا لجمع المهاجرين ومنعهم من الالتحاق بالضفة الأخرى للمتوسط».
وإلى أن تتجسد هذه المقاربة وتتوفر شروط نجاحها، طرحت جمعيات وأحزاب جزائرية اقتراحات على السلطات العمومية تقضي بتسجيل هؤلاء رسمياً وتشجيعهم على التصريح بوجودهم للحصول على عمل يؤمن لهم عيشهم، وفي نفس الوقت يقدمون خدمة للبلد خاصة أنّ عدداً من القطاعات تعاني من نقص فادح في اليد العاملة مثل الزراعة والأشغال العمومية والبناء.