الانتخابات العامة في أي بلد يحترم أصوات ناخبيه فرصة حقيقية لإعادة اكتشاف الخرائط الاجتماعية ومواطن الخلل فيها والموازين السياسية وتحولات القوى داخلها. لكل صوت قيمته ولكل رقم معناه شرط أن تتوفر قواعد الشفافية والنزاهة وعدم تدخل أجهزة الدولة. هكذا يتبدى السلوك الانتخابي على نحو لا سبيل إلى التشكيك في حقائقه ورسائله.

عندما تتسق الإجراءات مع القيم الحديثة، تتراكم الخبرات الانتخابية، وتكتسب المجتمعات ثقتها بنفسها وقدرتها على التغيير بالوسائل الديموقراطية ويستقر مبدأ تداول السلطة ـــ وهذه مسألة شرعية دستورية.
السلوك الانتخابي مسألة تنافس سياسي بين برامج وتيارات ورجال. إذا غاب التنافس الجدي تنتفي الصفة الانتخابية، أو تستحيل إلى استفتاء على رجل واحد. هذا ما حدث في الانتخابات الرئاسية الأخيرة حيث تصعب القراءة الموضوعية للنتائج المعلنة ودلالات أرقامها، فالتنافس المفتوح غير الحشد بقوة الدولة.
نفي هذا التدخل ـــ بعصبية زائدة ـــ إهانة لعقول الناس، الذين عاينوا بأنفسهم ما حدث. الاعتراف بالحقيقة يساعد على التصحيح والتصويب حتى لا تتكرر المشاهد السلبية ذاتها في الانتخابات المقبلة عام ٢٠٢٢.
الأجواء التي صاحبت الانتخابات لا يمكن على أي نحو ولا بأي صورة وصفها بأنها طبيعية. «أنت لا تستطيع أن تقيس ما هو غير طبيعي على ما هو طبيعي»، كما استمعت ذات مرة من الأستاذ محمد حسنين هيكل.
باليقين، تصعب قراءة الأرقام المعلنة بشيء من الثقة في مدى تعبيرها عن الخرائط الاجتماعية والموازين السياسية في البلد. كما يصعب استنتاج حقائق البيئات الاجتماعية المتباينة وفق تقارير التنمية البشرية. كيف صوتت المناطق الحضرية والريفية والعشوائية؟... ولماذا؟ إلى أي حد أثرت مستويات التعليم والصحة والخدمات والدخول على توجهات التصويت؟ ثم لماذا انحازت، هذه المنطقة أو تلك، إلى خيار انتخابي دون غيره؟
بقدر كبير من الموضوعية، لا تُوفِّر الأرقام المعلنة دليل عمل لإعادة اكتشاف المجتمع، حقائقه وتحولاته وما يعتمل داخله من تفاعلات، أغلبها مكتوم.
في الأوضاع غير الطبيعية يمتنع الاجتهاد بحرية، كما يمتنع الحوار بموضوعية ـــ وهذه علامة خطرة على انسداد القنوات السياسية.

يمكن أن نعزو نسبة المشاركة المعلنة إلى خمس كتل تتفاوت أحجامها


يستلفت الانتباه أن نحو ٦٠٪ ممن لهم حق الاقتراع امتنعوا عن المشاركة. هذه نسبة عالية ـــ رغم الحشد والتعبئة بمعدلات غير مسبوقة ـــ تستدعي التساؤل عن أسبابها وخلفياتها ومدى اتصالها بالسلوك الانتخابي للمصريين.
يمكن أن نعزو نسبة المشاركة المعلنة، التي تجاوزت أي توقعات مسبقة، إلى خمس كتل متفاوتة في أحجامها: الأولى، كتلة الاستقرار التي تخشى أي تغيير مفاجئ في مركز السلطة، وهي كبيرة نسبياً ودأبت على منح تأييدها في كل العهود لمن يمسك بمقاليد الأمور. وقد كانت الاستهداف الرئيسي للحشد والتعبئة. الثانية، كتلة الحاجة التي تنظر إلى الانتخابات ـــ أي انتخابات ـــ كفرصة للحصول على مال يسد الرمق، أو أكياس أرز وسكر تخفف وطأة الجوع. وقد كانت استهدافاً آخر شارك فيه نواب. لم يكن ذلك أمراً مستحدثاً، فاستخدام «كتلة الحاجة» مسألة معتادة ومألوفة على اختلاف العصور، وقد توسعت فيه جماعة «الإخوان المسلمين» بكل الاستحقاقات التي خاضتها. التعريض بأصحاب الحاجات عمل غير أخلاقي، فمن لا يملك قوت يومه لا يملك صوته وهذه مسؤولية مجتمع تعوزه بقسوة العدالة الاجتماعية. كما أنها مسؤولية الذين يستخدمون تلك الحاجات لأغراض سياسية ـــ كأن توظيف الفقر المدقع من مستلزمات حصد جوائز السلطة. بكلام آخر العدالة الاجتماعية مسألة ديموقراطية واتساع الطبقة الوسطى التحاق بالعصر.
الثالثة، «كتلة الخشية» من الغرامة المالية للذين يتخلفون عن الانتخابات. هذه الكتلة تنتسب إلى الطبقة الوسطى الصغيرة والفئات الفقيرة في المجتمع، وأوضاعها المعيشية بأثر ارتفاعات الأسعار وانخفاض قيمة الجنيه لا تسمح بتحمل أيّ خصومات من دخولها. بدا لافتاً ارتفاع نسبة المقترعين في الساعات الأخيرة من اليوم الثالث خشية الغرامة بعدما ألحّت ميكروفونات فوق سيارات تجوب الشوارع، عليها.
بالتعريف، التصويت حق لكل مواطن، يمارسه أو لا يمارسه، ولا يصح أن يعاقب بالغرامة على فعل اختيار لا إجبار فيه.
الرابعة، «كتلة قلق» من أيّ عودة محتملة للجماعة، ركيزتها أغلبية كبيرة بين المسيحيين. ذلك طبيعي ومفهوم بالنظر إلى التجربة السلبية، التي تعرضت لها قبل «٣٠ يونيو»، غير أنه لا يؤسس لدولة مواطنة.
ما ينفي أي قلق، ترسيخ دولة القانون وتفعيل الاستحقاق الدستوري المعطل بإنشاء «مفوضية منع التمييز»، لا التماهي بالتوظيف السياسي.
الخامسة، «كتلة السلفيين» من أعضاء حزب «النور»، غير أنها لا تتمتع بالتماسك التنظيمي ولا الحجم الانتخابي الذي كان لها من قبل. من مفارقات الانتخابات تصويت السلفيين في ذات اتجاه الأقباط، الذين يُحرِّمون تهنئتهم بأعيادهم.
هكذا تحركت خمس كتل تصويتية للمشاركة في الانتخابات الأخيرة بدوافع مختلفة تحت ظلال حشد الدولة.
كيف نعزو ــــ إذن ــــ ارتفاع نسبة التخلف عن المشاركة بأكثر من أي استحقاق انتخابي آخر منذ ثورة «يناير ٢٠١١»؟ ولماذا تراجعت نسب مشاركة المصريين في الخارج إلى النصف تقريباً قياساً بآخر انتخابات جاءت بالرئيس عبدالفتاح السيسي إلى السلطة عام ٢٠١٤؟
هناك أسباب موروثة في السلوك الانتخابي للمصريين تزكي عدم المشاركة في ما يعتبرونه لا جدوى منه في تغيير أحوالهم المعيشية. كانت نسب المشاركة قبل «يناير» منخفضة للغاية والأمن يتكفل برفعها. بعد «يناير» تغيرت البيئة العامة جذرياً بفعل الثورة وطلب الدولة الديموقراطية الحديثة.
ارتفعت نسبة التسييس في المجتمع إلى أعلى درجاتها، لكنه تسييس غضب على أوضاع سياسية لم تعد تُحتمل وزواج سلطة بثروة أفسد كل شيء يتحرك.
بتداعي الحوادث تحوّلنا إلى تسييس قلق على صورة المستقبل، وأي دولة نطلب: دينية أم مدنية؟ أُجهِضت التجربة الديموقراطية الوليدة على مرحلتين:
أولاهما، من الجماعة حيث تصورتها سلماً تصعد به إلى السلطة يستخدم لمرة واحدة. وقد دفعت ثمناً باهظاً لذلك التصور. وثانيتهما، من الماضي الذي ثار عليه شعبه وعاد لينتقم.
ضاعت فرصة التراكم بالخبرة واستطراد التجربة لكنها لا تعني أن مصر لا تستحق الديموقراطية.
عندما يقال، الآن، إنّ البلد غير جاهز للديموقراطية، فهذه مصادرة للمستقبل والحق فيه.
السؤال هنا: متى يكون جاهزاً؟ لا توجد أيّ وصفة صالحة لتعلم العوم واكتساب مهاراته خارج البحار. ولا توجد عملية سياسية تُصنع في غرف دون ممارسة تؤسس لتراكم خبرة وقدرة على التصحيح الذاتي وفق قواعد دستورية تحترم.
بدت إشارة الرئيس بعد تجديد ولايته لمرة ثانية إلى التزامه توسيع المساحات المشتركة نوعاً من الإقرار باتساع المعارضة لسياساته وضرورة الحوار معها. كان ذلك استخلاصاً في موضعه لكنه يتطلب ــــ قبل أي شيء آخر ــــ أن يكون المجال العام مفتوحاً أمام كل رأي واجتهاد دون حملات تحريض تغتال الشخصية وتسمم كل معنى في هذا البلد.
*كاتب وصحافي مصري