عزّز الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بتصريحاته الأخيرة بشأن الأزمة الخليجية، التوقعات باستطالة هذه الأزمة إلى ما بعد منتصف العام الجاري على الأقل (حزيران/ يونيو المقبل)، وإن أبقى الباب موارِباً أمام إمكانية طروء تغييرات إيجابية قبل ذلك الموعد. إمكانية صبّ في اتجاهها أيضاً إعلان الدوحة، أمس، تلقيها دعوة لحضور القمة العربية المرتقب انعقادها في السعودية منتصف نيسان/ أبريل القادم، على الرغم من أن مراقبين قطريين أدرجوا الدعوة في إطار الإجراءات الملزِمة للرياض. وفي انتظار «ما سيحدث من الآن وحتى ذلك الحين» على حد تعبير مسؤول أميركي رفيع المستوى، يظلّ التوتر مخيماً على تصريحات المسؤولين الخليجيين حول خلافهم البيني، جاعِلاً «من الصعب التفاؤل بحدوث تقارب» وفق المسؤول نفسه.

وبعد نحو شهر من سريان أنباء عن جهود تبذلها إدارة ترامب لتقريب وجهات النظر بين الجانبين، وتقدّمها بمقترحات (من قبيل إنهاء المقاطعة الجوية) يمكنها خفض مستوى التوتر، والتمهيد لالتئام الزعماء الخليجيين على طاولة الرئيس الأميركي في كامب ديفيد في أيار/ مايو القادم (كما كان مقرراً)، جاء إعلان البيت الأبيض، في وقت متأخر من مساء الثلاثاء، تأجيل القمة حتى أيلول/ سبتمبر المقبل ليؤكد أن «واشنطن لم تحرز تقدماً يُذكر حتى الآن»، بحسب ما علّقت به مصادر أميركية على نبأ التأجيل. حقيقة كان قد أنبأ بها منذ وقت مبكر قرار إقالة وزير الخارجية الأميركي السابق، ريكس تيلرسون، الذي صدر في أعقاب جولة قام بها مبعوثاه إلى المنطقة، الجنرال المتقاعد أنتوني زيني ونائب مساعد وزير الخارجية لشؤون الخليج تيم ليندركينج، على الدول المعنية بالأزمة، في محاولة لتسويق المقترحات المشار إليها. وعلى الرغم من أنه لم يجرِ الربط مباشرة بين قرار إطاحة تيلرسون والخلاف الخليجي، إلا أن الأول ترك تأثيره حتماً على الأخير، أقلّه لناحية الشكل؛ إذ إن تأجيل قمة كامب ديفيد يعكس، وفق مسؤولَين أميركيَين، حقيقة أن ترامب بلا وزير للخارجية إلى حين تصديق مجلس الشيوخ على تعيين مايك بومبيو (مدير وكالة المخابرات المركزية) في هذا المنصب.

تعتقد قطر أن ثمة تلاعباً من قبل دول المقاطعة بسوق التأمين على الديون


في انتظار ذلك، تتجه الأنظار إلى الزيارتَين المتتاليتَين المرتقبتَين لأمير قطر، تميم بن حمد، وولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، لواشنطن، بدءاً من الأسبوع المقبل. زيارتان تنشغل كل من الدوحة وأبو ظبي في التحضير لهما، عبر تجميع الأوراق التي ستعرضانها على ترامب، بعدما أدى ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، مهمته في هذا الإطار. تعمل السلطات القطرية، بحسب ما تفيد به المعطيات، على إعداد ملف متكامل بما تعتبره «انتهاكات» دول المقاطعة ضدها، بما في ذلك «التلاعب في الأسواق»، وفي مقدمها سوق التأمين على الديون، الذي أعلنت قطر، أمس، أنها لا تزال تلاحظ فيه «تحركات غير معتادة»، متمثلة في «استمرار ارتفاع تكلفة التأمين على الديون من دون سبب». في المقابل، تتابع واشنطن تشديدها على ضرورة «إنهاء النزاع الخليجي» من أجل التفرغ لمواجهة «سلوك إيران الذي يزداد تهوراً في المنطقة، والتهديد الذي تشكله للاستقرار الإقليمي»، طبقاً لما تحدث به ترامب إلى أمير قطر في اتصال هاتفي بينهما مساء الثلاثاء. وما بين الشكاوى القطرية والتشجيع الأميركي، لن يفوت سيدَ البيت الأبيض بطبيعة الحال تصعيد محاولاته ابتزاز الدوحة تحت لافتتَي «مكافحة الإرهاب» و«مواجهة إيران»، من دون أن تعني الاستجابة القطرية لتلك المحاولات حتمية تنفيذ ترامب التزاماته بـ«حل النزاع الخليجي هذا الشهر»، على حد تعبير متحدثة باسم مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض، في تعليقها على إعلان إرجاء قمة كامب ديفيد.
ذلك أن الرئيس الأميركي، فضلاً عن أنه بات معروفاً بتقلّب مواقفه بسرعة، لن يغامر على الأرجح بمئات مليارات الدولارات التي غمره بها ابن سلمان في زيارته المستمرة للولايات المتحدة. «سخاء» يوازيه التصاق إماراتي متواصل بصقور إدارة ترامب، في محاولة لإبقاء تأثير أبو ظبي في القرارات الصادرة عن البيت الأبيض، خصوصاً في ما يتصل بأزمة الخليج. هذه المحاولات ستتجلى، مجدداً، في اللقاء المنتظر الشهر الجاري بين ترامب وابن زايد، والذي بدا لافتاً أن ولي عهد أبو ظبي طلب تأخيره إلى ما بعد اجتماع الرئيس الأميركي بأمير قطر. وفي ضوء التسريبات المتلاحقة بشأن الدور الإماراتي في بلورة موقف البيت الأبيض من الخلاف، التي كان آخرها ما كشفته مجلة «نيويوركر» من أن السفير الإماراتي في واشنطن، يوسف العتيبة، هو من تولى إبلاغ الخارجية الأميركية بقرار «الحصار» الذي «أعطى البيت الأبيض الضوء الأخضر للمضي فيه» بعد التوافق عليه في قمة الرياض (أيار/ مايو 2017)، يمكن توقع ما سيخرج به لقاء ترامب - ابن زايد.
لكن، في مقابل تلك المؤشرات السلبية التي عزّزها وزير خارجية البحرين، خالد بن أحمد آل خليفة، الثلاثاء، بقوله إنه «في الظروف الحالية لا يمكن الحديث عن حل للأزمة الخليجية»، يتحدث مسؤولون أميركيون شاركوا في المناقشات بشأن الأزمة عن أن «بوادر مرونة ظهرت أخيراً، بما في ذلك من السعودية»، لافتين إلى أن ثمة تحركات متواصلة حول إمكانية «بدء حوار» بين طرفَي الخلاف، ولذلك يرى هؤلاء «فائدة» في تأجيل قمة كامب ديفيد، من أجل «إتاحة مزيد من الوقت» لتطور التحركات المذكورة. هذا «التفاؤل» يحيل في اتجاهه، أيضاً، إعلان المتحدثة باسم الخارجية القطرية، لولوة الخاطر، أمس، أن بلادها تلقّت دعوة رسمية للمشاركة في القمة العربية المرتقب انعقادها في السعودية الشهر الجاري، مؤكدة «(أننا) سنشارك، ولكن لم نحدد بعد مستوى المشاركة». وعلى الرغم مما تستبطنه الدعوة من مؤشر إيجابي، إلا أن محللين قطريين اعتبروا أن «الدولة المستضيفة للقمة ملزمة بدعوة قطر، والقبول بوجودها».



قطر: التلاعب باقتصادنا جرم كبير
أعلن «بنك قطر الوطني»، أكبر بنك في البلاد، أمس، أنه يُمدّ السلطات بالبيانات والخبرات المطلوبة للتحقيق في ما إذا كانت دول المقاطعة قد تلاعبت بالأسواق، بما في ذلك سوق التأمين على الديون. وقال الرئيس التنفيذي للبنك، علي أحمد الكواري، إن «سلوك سوق التأمين على الديون كان غير طبيعي (خلال العام الأخير)... كان يتحرك بسرعة شديدة»، على الرغم من أن «الغبار الذي أثارته الأزمة انقشع بعد شهرين»، مُقدّراً حجم سوق التأمين على الديون القطرية بنحو 21 مليار دولار. ووصف الكواري محاولات «التلاعب» بالاقتصاد القطري بأنها «جرم كبير»، داعياً إلى «التفكير مرتين قبل الإيغال في هذه الأفعال». وكان مصرف قطر المركزي قد طالب، الشهر الماضي، الجهات التنظيمية في الولايات المتحدة بفتح تحقيق في إمكانية ضلوع الوحدة الأميركية لأكبر بنك إماراتي في تنفيذ صفقات «وهمية» في سوق العملات، بهدف الإضرار بالاقتصاد القطري. وأعلن المصرف، في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أنه بدأ تحقيقات في محاولات دول المقاطعة «التلاعب بأسواق العملات والأوراق المالية والمشتقات».