أصدرت «قوّة مكافحة الإرهاب» التابعة لحكومة الوفاق الوطنيّ برئاسة فائز السراج، بيانها الثاني، أمس، بشأن عمليّة «عاصفة وطن» التي أطلقتها يوم الاثنين «لمقاومة فلول تنظيم داعش» في عدد من مدن غرب ليبيا. وجاء في البيان، المتلفز، الذي تلاه المتحدث الرسميّ باسم القوّة، العميد عبد السلام محمد المسعوديّ، أنّ «العمليّة مستمرة إلى حين الانتهاء من تنفيذ مهماتها»، في إشارة إلى المدى الزمنيّ المفتوح للعمليات.

باستثناء تلك الإشارة، لم يضف البيان معلومات جديدة عن العمليات الجارية في نطاق خمس مدن، إذ تنطلق العمليات من شرق مصراته نحو بني وليد، ترهونة، مسلاته، الخُمس، وزليتن، مع تركيز على الأودية والشعاب والمناطق الصحراويّة. وهذه العمليّة هي الأولى من نوعها، التي تقودها «قوّة مكافحة الإرهاب» منذ تأسيسها بداية العام الماضي بقرار من فائز السراج، بصفته «القائد الأعلى للجيش». وفي حينه، جاء في قرار تأسيس «القوّة» الذي شمل أيضاً تأسيس «جهاز مخابرات»، أنّ أولويّة الانضمام إليها تبقى للمجموعات المشاركة في عمليّة «البنيان المرصوص» التي كانت قد تشكلت لمقاتلة تنظيم «داعش» في مدينة سرت عام 2016، بمساندة من الطيران الأميركيّ.
البيانان الصادران عن «قوّة مكافحة الإرهاب» بشأن العمليات الحالية، أشارا إلى «مشاركة قوات الطيران الليبيّ» التابعة لحكومة الوفاق، وهو أمر أكده أول من أمس المتحدث باسم «غرفة الطوارئ» التابعة لسلاح الجو، محمد قنونو. وفيما لم تُذكر مشاركة أيّ جيش خارجيّ في العمليّة، تُظهر صور، نشرتها حسابات على موقع «تويتر» متخصصة في متابعة تحركات الطيران في المنطقة، نشاطاً شبه يوميّ لطائرات رصد ومتابعة أميركيّة، في معظمها فوق ليبيا، تنطلق من قواعد في إيطاليا واليونان.
في حديث إلى «الأخبار»، يقول حسن كدنوا، وهو منسّق ليبيا في «مركز دعم التحوّل الديموقراطيّ»، إنّ «من الممكن أن توجد بعض بقايا لتنظيم داعش في مناطق حوض العاصمة، لذلك قد يكون من المفيد مكافحتها قبل محاولتها التسرّب إلى طرابلس، حيث سيصعب التعامل معها». لكن المسألة بالنسبة إلى كدنوا غير واضحة بصفة كاملة، إذ يشير إلى أنّ «من المعلوم أنّ داعش موجود في أطراف سرت ومنطقة الهلال النفطيّ، لذلك من الأجدر محاربته هناك (أي ليس في المنطقة المستهدفة راهناً)، كذلك تقول معلوماتي بوجود التنظيم في منطقة خطّ الوادي جنوب غرب البلاد الذي قصفته الولايات المتحدة أخيراً».
في السياق، لم يكن جلال حرشاوي، الباحث في الشأن الليبيّ، أكثر تفاؤلاً بعمليّة «عاصفة وطن»، إذ يقول في تصريح إلى «الأخبار» إنّ «القسم الغربيّ في ليبيا يحاول السيطرة على أمنه وتنظيم بيته الداخليّ، وتجنّب الانتقادات». فيما لا يتوقع وقوع «معارك كبيرة» كما في عام 2016، لكنّه يشير إلى أنّه «يجب عليهم (سلطات الغرب) إظهار أنّهم يحاولون».
أما منظمة «أطلس أسيستانس» التي تعمل في مجال إدارة المخاطر وتقدّم تحليلات حول المنطقة، فقد قالت في تقييمها للعمليّة: «تنقصها كلّ أشكال الدعم من قوات البنيان المرصوص... ويعود ذلك إلى تهميشها بفقدان نفوذها في طرابلس وعدم دفع معاشات جنودها». ويذهب تحليل المنظمة أبعد من ذلك، إذ يشير إلى أنّ الميليشيات الأساسيّة في طرابلس «تبدو غير مشاركة في عاصفة وطن، فهي تركّز على حماية مناطق نفوذها في العاصمة ولا تريد نشر قوات في مناطق بعيدة، فهي لا تريد المخاطرة وترك الباب مفتوحاً أمام قوات من الزنتان أو مصراته تسعى إلى استعادة نفوذ في طرابلس».
حتى بما يخص مليشيات مدينتي مصراته والزنتان، فيرى تحليل «أطلس أسيستانس» أنّها «لا تريد المخاطرة بتكرار الخطأ الذي ارتكبته قوات البنيان المرصوص عام 2016، (أي) القيام بالعمل الأساسيّ وجني قليل من الفوائد». وقد عقدت المدينتان، يوم الخميس الماضي، مصالحة أنهت صراعاً بينهما بدأ منذ عام 2014، وكان قد أضعف نفوذ قواتهما في العاصمة. وتبدو الخطوة التي باركتها حكومة السراج، إضافة إلى قوى خارجية منها الجزائر وإيطاليا، تحضيراً للتطورات التي يمكن أن تنبثق من محادثات توحيد الجيش المعقودة في القاهرة. ففيما تعلن الأطراف العسكريّة في مدينة مصراته، وعدد من المدن الأخرى غرب البلاد، عن رفضها القطعيّ لتولي الجنرال خليفة حفتر مقاليد الجيش، كان موقف مدينة الزنتان متذبذباً على امتداد السنوات الماضية. لكن يبدو اليوم أنّ اتفاق المصالحة قرّب مواقف المدينتين، إذ نصّ على السعي إلى «توحيد المؤسسة العسكريّة والأمنيّة تحت سلطة مدنيّة»، إضافة إلى التشديد على «مدنيّة الدولة وعدم السماح بعودة الانقلابات».
على صعيد آخر، توصلت حكومة السراج، أمس، إلى اتفاق مع جيرانها الجنوبيّين والشرقيين الثلاثة (والتشاد والنيجر والسودان) لتعزيز أمن الحدود، علماً بأنّ السراج لا يسيطر على تلك الحدود. وتنشط في الجنوب الليبيّ فصائل تشاديّة معارضة لنظام إدريس ديبي، وفصائل سودانيّة من دارفور مناوئة لنظام عمر البشير، يُضاف إليها خلايا تابعة لتنظيمي «داعش» و«القاعدة». وقد نفذ الجيش الأميركيّ، نهاية الشهر الماضي، غارة بواسطة طائرة مسيّرة على منزل في مدينة أوباري الجنوبية، أدّت إلى مقتل «عنصرين من تنظيم القاعدة»، أحدهما القياديّ موسى أبو داوود.