في مبنىً سلمت حجارتُه من الدّمار، تسكن نور (اسم مستعار). لم تغادر السيدة الثلاثينيّة منزلها في حيّ بستان القصر طوال الحرب. تضرّرت أقسام من المبنى المجاور، فيما تحوّل مبنى ثالث في طرف الشارع إلى أنقاض، «الحمد لله، حظنا أحسن من غيرنا» تقول. صعود طبقات المبنى الأربع سيكون كفيلاً بشرح أحوال جيران نور: ثلاث شقق تشي أبوابُها بأنّها مأهولة، لم يجفّ الطلاء عن باب إحداها بعد، فلقد أنهى أصحابُها أعمال التصليح قبل يومين. أربع شقق أخرى وُضعت سلاسل وأقفال ضخمة على أبوابها «أصحابها خارج البلاد، جاء أقاربهم ووضعوا الأقفال في فترات مختلفة» توضح السيدة. ثمّة شقة أُلغي بابُها وسُدّت فتحته نهائيّاً باستخدام القرميد، كان سكّانها يستأجرون الشقة وغادروا قبل دخول الجيش بأيام «ما منعرف عنهم شي، تعفّش البيت ع الآخر، وحتى الباب الخشب انسرق، بعدين إجا صاحب الشقة وعمّر حيط محل الباب». شقة أخرى بابُها مكسّر، ولا شيء في داخلها سوى الجدران «هون كان ساكن واحد من الجيش الحر» تقول. تتحاشى السيدة الخوض في تفاصيل أوضاع عائلتها المعيشيّة، تكتفي بالقول «مستورة والحمد لله». أما السؤال عن أحوال الحي بالعموم بعد عام وخمسة أشهر من عودته إلى سيطرة الدولة، فتجيب عنه بمثلٍ شعبي يصلح لتوصيف حال المدينة بأكملها «الرّمد أحسن من العمى».


«أمّ التّعب»
المدينة التي طالما عُرفت بكونها «أم الطرب»، ترزح اليوم تحت وطأة تعب يسكن معظم تفاصيلها. الأحياء الشرقيّة لم تشهد «إنجازاً» يُذكر، رغم كل الوعود الحكوميّة، وباستثناء ترحيل الأنقاض وفتح معظم الشوارع والطرقات الأساسية (في زمن قياسي) لا يلاحظُ تطوّر خدمي لافت. التيار الكهربائي لا يزال بعيداً عن أحلام سكان تلك الأحياء، ولا يزال «الأمبير» سيد الموقف (كهرباء الاشتراك). وما إن يحلّ الليل حتى تغرق الشوارع في عتمة لا يبدّدها سوى أنوار السيارات العابرة والمحال المتناثرة، وتكاد الإنارة الطرقيّة تنعدمُ حتى في الشوارع الكبرى، ومن بينها شوارع محسوبةٌ على «وسط البلد» (مثل الشارع المؤدّي من سوق الهال إلى ساحة سعد الله الجابري، مروراً بساحة الرئيس). يشكّل الهمّ المائي عبئاً إضافيّاً على سكان الأحياء الشرقيّة، في ظل عدم وصول تمديدات الشبكة إلى كل الأحياء بعد، وانقطاعاتها المتكررة عن أحياء أخرى. ولا يزال السكّان يعتمدون حلولاً بديلة، مثل نقل مياه الشرب من بعض المناهل العامّة، وشراء مياه (غير صالحة للشرب) من صهاريج متنقلة لتعبئة خزّاناتهم. وحدها شاحنات توزيع الغاز المنتشرة بكثرة في شوارع المدينة تُقدم دليلاً على تحسن في أحد القطاعات الحيوية، لكنه تحسّن يردّه الكثيرون إلى «الشتاء اللطيف» الذي لم يحمل معه البرد الذي اشتهرت به حلب تاريخيّاً، فخفض بذلك استهلاك الغاز.

هموم الصناعة لا تنتهي
في أحد معامل «المنطقة الصناعيّة»، في حي الكلاسة، يدور حديث بين عدد من الصناعيين حول الصعوبات الكبيرة التي تعيق عودة الروح إلى أعمالهم. يقفز التيار الكهربائي إلى رأس القائمة، ففيما تنتظر «المدينة الصناعيّة في الشيخ نجّار» تنفيذ وعود حكوميّة بتغذية كهربائية مستمرّة، يغيب التيار الحكومي عن الكلاسة بفعل الضرر الكبير الذي طاول البنى التحتية. «خيو جماعة الشيخ نجّار مدللين» يقول أبو عمر، ليتدخل أبو فراس معترضاً «يا أخي وضعنا غير وضعن، منطقتنا بدها شغل خير الله، الضرر عندهم كان أخف». يتفق الموجودون على أنّ العمل بطاقة كاملة اعتماداً على مولدات الديزل أمر مستحيل. في «أيّام الخير»، كانت معظم المصانع تعمل بلا توقف في «أيام الخير»، 24 ساعة في أيام الأسبوع السبعة. وحتى في أيام الأعياد، كان كثير من المصانع يستمر في العمل في مقابل أجور مضاعفة يتم تسديدها للعمّال. اليوم يبدو الوضع مختلفاً، يقول بدر «إجباري بدك تريح المولدات، ونحن آلاتنا بس توقف شوي بتبرد، ومنرجع منعيد من الأوّل». لا تقتصر الهموم على التيار الكهربائي، ثمة مشكلات أخرى كبيرة يتعلّق بعضها بأسواق التصريف في ظل انخفاض القوة الشرائيّة في السوق الداخلية، وانعدام السوق الخارجيّة بسبب توقف عمليات التصدير. وفي حالة غريبة وغير معتادة في المجتمع الحلبي، يفرض غياب اليد العاملة نفسه بوصفه أحد أكبر الهموم في كل القطاعات. وفي خلال سنوات الحرب، استنزفت شريحة الشباب في «عاصمة الشمال» شأنها شأن معظم المناطق السورية «اللي سافر، واللي استشهد، واللي هرب، واللي عم يخدم جيش، والله صارلي شهرين عم دوّر على عامل نسيج عندو خبرة ما عم لاقي»، يقول أبو عمر. يحضر على ألسنة الحلبيين رجاء دائم بأن يُفتح الباب لدفع «بدل نقدي» أمام الشبان المدعوين للخدمة الإلزامية أو الاحتياطية، لكنّ الأمل لا يبدو كبيراً. يقول أبو فراس «خيو من دون ما يعملوا بدل ما عم يسرحوا حدا، إذا صار في بدل ما عاد حدا يروح عسكري»، يتدخل شقيقه «لازم يلاقوا حل، خلي هالشباب اللي برة البلد يرجعوا ويدفعوا، مو أحسن ما قاعدين بتركيا؟».

«السكوت من ذهب»
«الولد اللي ما بيبكي أمو ما بتطعميه» يقول أحد المهندسين، ويضيف «تعال تفرج ع وضع البلديات، الشغل ماشي بالقدرة، ما في آليات ولا إمكانيات وما حدا عم يطلب، كل المسؤولين عم يشتغلوا على مبدأ: بدي سلتي بلا عنب». يؤيّد عدد كبير من الحلبيين الذين تحدثت إليهم «الأخبار» كلام المهندس، وتجمع معظم الآراء على أنّ المسؤولية الأكبر عن الوضع الراهن تُلقى على عاتق المسؤولين المحليين. ويرى أصحاب هذه النظريّة أنّ معظم المديرين يخشون من إثارة غضب رؤسائهم في العاصمة إذا أكثروا من الطلبات، ويفضلون بدلاً من ذلك الصمت لـ«نيل الرضى» والاستمرار في شغل كراسيهم. نسأل أستاذاً جامعيّاً متقاعداً عن رأيه في ما سمعناه، فيجيب «طبعاً، هناك جبنٌ كبير عند معظم المسؤولين (المحليين)، وخوف من القيام بأي عمل، أو المطالبة بأي شيء». يصمت لحظات ويضيف «حلب مستحيل تتعافى إلا إذا انعمل نفضة مرتبة غيرت ثلاث ارباع المدرا، ولا يبدو إنو هالشي رح يصير».