«كندا يا أم... ولادك أهُم... دول علشانك شالوا الهم... دول يفدوكي بالروح والدم». ارتجل الشاب الثلاثيني القادم من محافظة الغربية (وسط دلتا مصر)، فقهقه طابور المتعايس وخائبي الرجاء. أنا واحد من هؤلاء المتعايس الذين ضحكوا من الهمّ أيضاً. علّق أحدهم: «والله حلوة خالص. يا ابن الذين...»، وتدخّل خمسيني كان بريق الدهشة يلمع في عينيه: «يخرب بيتك... أنا هاموت م الضحك... أنت فنان ولازم ياخدوك في كندا».

كان رقمي العاشر في صف المنتظرين. ألقيتُ بسيجارتي المشتعلة في سلة مُهملات أمام السفارة الكندية بالقاهرة (تقع في حيّ غاردن سيتي الراقي)، حتى تلتقط الكاميرات أنّ لدي استعداداً فطرياً لأكون مواطناً صالحاً، يحافظ على النظام، وإن شاء الله «يسهّلوا» إجراءات سفري إلى بلاد إليس مونرو (أديبة نوبل 2013)، أرض الفرص والديموقراطية التي نتفرّج عليها في الأفلام.
«ابن الحرام... ما خلّاش لولاد الحلال حاجة»؛ مثل شعبي أطلقه لساني وأنا أسمع صوت الطبل والزمر الآتي من ميدان التحرير: «سيسي... سيسي... بنحبك يا سيسي». يحتفلون بفوز الجنرال في انتخابات الرئاسة التي نافس فيها نفسه. وضعتُ قطنة في أذني، ثم أخرجت من جيبي سيجارة جديدة «لزوم حرق الدم وزنقة الطابور».
لم يكن هناك أي من الواقفين يعرف الإجراءات البديهية للتقدّم إلى الهجرة. كلنا يقف في مكانه كالمسمار يستمع إلى نكتة من هنا أو صمت من هناك، حتى يحين دوره. إحصاءات الدولة الخرساء لن تقول أبداً إن ابن السابعة والخمسين «علي. ج» يريد أن يطفش من البلد كي يبدأ حياة جديدة في كندا. الناس سوف تمرمطه سخرية، «بعد ما شاب... ودّوه الكُتّاب»، «روح شوف لك موتة أحسن يا عم». لن تجرؤ قناة فضائية على أن تُجري لقاءً عابراً مع العم علي. سوف تُغلَقُ بالضبّة والمُفتاح. سوف يتهمونها ويتهمون الخمسيني المسكين بتكدير السلم العام، وتصدير الإحباط وتهديد الأمن القومي للبلاد. لم أسأله عن حكايته، لكنه أخبرني بصوت خفيض أن طلبه سيُرفض. استعجبت، فقال: «أهو اسمي عملت اللي عليّ قبل ما أموت».
أتذكّر أمي، فأحنّ إلى أمثالها الشعبية التي فقدت وظائفها الحيوية، فهربت. زمنكم غير زمننا يا ستّ الحبايب. كفّة الميزان نازلة في اتجاه معاكس. زمنكم غير زمننا يا أمي. نحن في زمن: «مطرح ما ترسى... دق لها»، و«عمر الشقي بقي». انقلبت أمثالُك رأساً على عقب : «من قعد في داره... قلّ مقداره»، وليس من «هجر داره»، وحتى «الغربة تُربة»، و«أهلك يا تهلك» خفت موازينها وثقلت معكوساتها. كل أم مصرية مثل أمي.
منذ آلاف السنين، والمصري عاشق ومعشوق مع وادي ودلتا النيل (منذ بداية ستينيات وسبعينيات القرن الماضي فقط يسافر العمال والمعلمون والأطباء والمهندسون إلى ليبيا والجزائر وبلاد النفط ثم يعودون إلى الأهل والعيال). في السنوات العشر الأخيرة حوّل المصريون وجهتهم إلى الغرب. هجرة من دون رغبة في الرجوع. حتّى الأوكسجين مُراقب من قبل الأجهزة الأمنية. هل نحن أمام تحوّل كبير في رؤية المصري لفكرة الوطن؟ يجيب العم علي: «جاتك خيبة... بلا وطن... بلا دياولو». يضربني صمت رهيب وأنا أنظرُ إلى تجاعيد وجهه ونظارته القديمة، ورأسه الأصلع الذي تضربه أشعة الشمس ويباغته الغبار.
عندما تُعلن حكومتنا (الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء) إحصاءات هجرة المصريين إلى الخارج، تُذوِّقُ كلامها الماسخ بأنّ أسباب الهجرة اقتصادية. كَهَنة بلادي (ببغاوات الفرعون) لا يقولون الحقيقة. لا يقولون إن الغالبية العُظمى من الراغبين في الهجرة واللجوء إلى دول مثل كندا أو أميركا، مستورو الحال في بيوتهم وأعمالهم، وما لا تُريد أن تُفصح عنه حكومتنا أن هؤلاء يعانون من مرض الاستبداد و«زَهَأ الحياة».
الأرقام الرسمية تقول إن هناك «نحو 9.5 ملايين مصري يعيشون في الخارج، بينما يبلغ عددهم نحو 3.5 ملايين وفقاً لإحصاءات منظمة الأمم المتحدة، يعيش منهم في المنطقة العربية 6.236.050 مصرياً و1.249.755 يعيشون في المنطقة الأوروبية، و14.001 في المنطقة الأسيوية، و1.584.601 في الأميركتين».
وتُفصح الأرقام أيضاً عن أن «97% من المصريين بالخارج ذكور، و2% منهم من الإناث، و27% حاصلون على مؤهل عالٍ، (موضحة) أن 70% من المصريين المهاجرين إلى الدول العربية يتركزون في السعودية والأردن والكويت والإمارات، (مشيرة) إلى أنّ المصريين في الغرب ينقسمون إلى فئتين، هما المهاجرون هجرة استيطانية (الأجيال القديمة)، وما يمكن أن نطلق عليه (المهاجرين الجدد)، ويتركزون في كندا وأوستراليا وبلدان جنوب وغرب أوروبا، خاصة في إيطاليا واليونان وفرنسا».
الطابور لا يتحرك، لكن ظهرت بشارة. صاحب «كندا يا أم» يخرج من باب السفارة وأساريره مُنفرجة. تجمّعنا حوله. «طمِّنا يا أستاذ. خير. قبلوك؟». لوّح بيديه إلى أعلى حتى نسكت، وقال إن كل الأمور ستكون على ما يُرام: «الحمد لله. مصر بقت بلد منكوبة زي أفغانستان وبوروندي». رددنا وراءه: «آه. الحمد لله. بس مش فاهمين برضو». عرفنا منه أن كندا أصبحت تُتيح اللجوء السريع لمواطني مصر (منذ حزيران/يونيو 2017)، ولكن علينا أن نتقدم بطلب اللجوء إلى مفوضية اللجوء في بلد غير مصر. ضرب ناس الطابور الأكف ونفخوا في الهواء. تقدّم طبيب شاب وآخر صيدلي نحو نافذة زجاجية وتحدثا مع موظف يبدو أنه مصري، فطلب منهما البقاء كي يتقدما بطلب هجرة لأنهما من الكفاءات المرغوبة في كندا. باقي الطابور (نحو خمسة وعشرين شخصاً من طالبي اللجوء)، تفرّقوا وهم يُفكرون في المثل الذي أفرج عنه العم علي وهو يجرجر قدميه: «خلونا نشوف. أهو نُص العمى ولا العمى كله».