تونس | لم أكن يوماً من هواة كرة القدم، كامرأة تونسية ترعرعَتْ في «جوٍّ يساري» كنتُ على اقتناع تام بأنها لعبة سخيفة وأنها أداة من أدوات النظام لإلهاء الشعب عن قضاياه الحقيقية. «الكرة أفيون الشعوب»، هذا ما كنت أردده كلما سئلت عن الفريق الذي أشجعه. وكقادمة إلى العاصمة التونسية من بلدة «ساحلية» صغيرة، كنتُ أؤخذ على أنني «ساحلية»، أي أنني أُشجِّعُ فريق «النجم الساحلي». هكذا يتم تصنيف الفرق في تونس، غالباً، انتماؤك الجغرافي هو الذي يحدد فريقك الكروي. وكنت أفنّد هذا الاعتقاد دائماً، وأُعلِمُ مخاطبي بأنني «أكره الكرة» ولا أشجع أي فريق... ولم تكن إجابتي مستساغة غالباً.

العاصمة أيضاً تنقسم حسب جهاتها: فريق «باب سويقة» (الترجي الرياضي التونسي) ومنافسه الأزلي «فريق باب جديد» (فريق النادي الإفريقي). وجغرافياً، هما متجاوران لأنهما يمثلان حيين عريقين في العاصمة، وتفصل بين معقل الفريقين أمتار قليلة. لكنّ «الحرب» بينهما تتجدد مع كل «دربي» (أي المقابلة السنوية التي تجمعهما)، وتعيش العاصمة على وقعها أسابيع. تتزين الأنهج وتنقسم، بين رافع لعلم «الترجي»، وآخر ينشر على شبابيكه وشرفاته شعارات «الإفريقي».
الحرب لا تقف هناك، فمنذ زمن حكم بن علي الذي كان نظامه يدّعي إحكام قبضته على مجموعات التشجيع ويمنع أي تحركات لها، كانت المقابلات غالباً ما تنتهي بأحداث عنف، وبإيقافات عدة في صفوف المشجعين. كنتُ دائماً أندد بهذه الفرق وبشعاراتها وأراها طاقات مهدورة لم تعرف طريقها الصحيح، رغم العداوة التي يشهرها المشجعون للنظام متمثلاً في عناصر «البوليس»، إذ لا تخلو أغنية «فيراج» (الأغاني التي ينشدها الالتراس مشجعو الفريق في المدارج ويتم تسجيلها ونشرها على الإنترنت أيضاً) من شتم مقذع لعناصر الأمن بشتى عبارات التجريح والثلب اللاأخلاقية في معظم الأحيان، وهي «اللغة» الغالبة في أغاني هذه المجموعات. (وجب التنويه أنّ الالتراس كانوا يرفعون شعارات سياسية أيضاً، وخاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، كما قد يستهدفون شخصيات سياسية نافذة بأغانيهم، منذ حكم نظام بن علي. وكانت العصيّ الغليظة تنتظرهم خارج مدارج الملاعب وقتها، بعيداً عن عدسات الكاميرا، طبعاً...)
«#تعلّم_عوم»، أي تعلّم السباحة، «هاشتاغ» يجتاح وسائل التواصل الاجتماعي في تونس منذ أيام قليلة، وهو ردة فعل على مقتل مشجع النادي الإفريقي (أحد أكبر الفرق التونسية) غرقاً في وادٍ قرب «ملعب رادس» بالضاحية الجنوبية للعاصمة تونس.

انتُشلت جثة المراهق صباح اليوم التالي بعد بحث طويل عنها


عمر، مراهق في التاسعة عشرة من عمره، تلميذ بكالوريا، عُرف بين أقرانه بحبه الشديد للنادي الإفريقي. مراهق تونسي نمطي، ينتمي إلى مجموعة تشجيع فريقه، بحلاقة شبابية كأقرانه، أغلب صوره على حساب «فايسبوك» مرتدياً قميص فريقه، أغلب منشوراته أغاني تشجيع الفريق التي تتحدث كلماتها «الثائرة» على الموت فداءً للفريق أيضاً. معظم الشباب الذين مثله يعتنقون ولاءً مغايراً لما يراد الترويج له، الوطن بالنسبة إلى هؤلاء الفتية يتمثل في فريقهم، و«الشهادة» في سبيله. وكأغلب «الضحايا» في هذا البلد، ينتمي عمر إلى طبقة متوسطة، هي أقرب إلى الفقر، مع تآكل الطبقات الوسطى في تونس منذ سنوات. شقيقه لا يختلف عنه كثيراً في هواياته واهتماماته، وأمّه امرأة بسيطة فُجِعت بابنها الذي كانت تنتظر فرحة نجاحه، فأتاها خبر موته بتلك الطريقة... والعائلة تتهم رأساً عناصر الأمن.
عمر مات غرقاً وهو يحاول الإفلات من هؤلاء الذين كانوا يطاردون عشرات المشجعين إثر أحداث شغب معتادة، صارت ترافق المقابلات الرياضية في تونس. وخلال فراره من قبضة عصا البوليس، وجد عمر نفسه مضطراً للقفز في وادٍ (قذر) يشق ضواحي العاصمة، في طقس بارد ورياح قوية؛ تذكّر الفتى أنه لا يُحسن السباحة بعدما فوجئ بعمق مياه الوادي إثر الأمطار الغزيرة التي عرفتها البلاد أخيراً.
يُقالُ إنّ شهوداً من رفاق الفتى سمعوه يصرخ لأحد عناصر الأمن الذي طارده، بأنه لا يُحسن السباحة، وأن هذا العنصر أجابه وهو يراه يصارع المياه الآسنة «تعلّم عوم».
انتشلت جثة المراهق صباح اليوم التالي بعد بحث طويل عنها. أما مشجعو «الإفريقي» وناشطون وشبان متعاطفون كثر، فيتوعدون بردة فعل عنيفة إذا لم يتم تتبع المسؤولين عن موت المشجع.
في الفترة التي تلت الثورة التونسية عام 2011، اندمج مشجعو الفرق الرياضية في صفوف المتظاهرين، وقاد بعضهم التحركات لخبرتهم مع تحركات عناصر الأمن وتكتيكات الكرّ والفرّ، ورفعت شعارات «الالتراس» في المسيرات التي تُطالب بإسقاط النظام. خال مراقبون لوهلة أنّ فرق التشجيع ستتنظم وتلتحم بقضايا الشارع أكثر من ذي قبل. لكنّ المشهد لم يكن كذلك، بل لعل الهوّة اتسعت، إذ يتقاسم هؤلاء المشجعون اليوم كره «البوليس» والأحزاب السياسية والمنظمات بأنواعها. وليس هناك طرح سوسيولوجي جاد لفهم هذه الفئة الشبابية.
مات عمر، وماتت معه آمال بأنّ الكرة التونسية ستتجه نحو التحضّر. ومع موته، فتحت صفحة سوداء جديدة، مع نظام أثبت فشله في احتواء شبابه والحوار معهم... ولعلّ أياماً ظلماء تنتظر المدارج التونسية، وخاصة أمام كل هذا الصمت والاستهانة التي قابلت بها السلطات التونسية حدثاً بهذه المأسوية.