بعد عام من البذر لغة واستراتيجية واستقلالاً، بعيداً عن حرث واشنطن وتطرف إداراتها الجديدة، وعلى مألوف الادعاء بمقاسمة الأميركيين إدارة شؤون البشرية في كل أزمة، انبرى وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان، ليهدد سوريا «بفرنسا التي ستتحمل كل مسؤولياتها في المشاركة في حظر انتشار الأسلحة الكيماوية». فالعَود الفرنسي إلى بدء مقاربة دبلوماسية سادت أواخر الولاية الثانية للرئيس جاك شيراك بات يرى أن استعادة الحضور في قضايا العالم، ووقف انحسار الإمبراطورية الاستعمارية المستمر منذ خمسينيات القرن الماضي، لا يكونان إلا من خلال الشراكة مع الولايات المتحدة في إدارة بعض الأزمات، ولو من موقع دوني وتابع، أينما أتيحت الفرصة.

ففي الملف اللبناني، تصالح جاك شيراك مع جورج بوش بعد إغلاق سريع لمزدوجي الاعتراض على غزو الجيوش الأميركية للعراق، واستصدرا القرار الدولي ١٥٥٩. وفي الملف السوري قاد الطرفان معاً الحرب لعزل سوريا وتشديد العقوبات عليها، بعد استراحة بسيطة مطلع «الساركوزية» في ٢٠٠٨ و٢٠٠٩، لتستأنف نشاطها بقوة في الحرب على سوريا، انطلاقاً من غرف عمليات عمان وأنطاكيا وتسليح المعارضات. وفي الملف النووي الإيراني، كانت مواقف وزير الخارجية لوران فابيوس أكثر تشدداً من الولايات المتحدة وتزايد عليها في فرض الشروط على توقيع الاتفاق النووي مع طهران. وحتى بعد وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض واعتماده مبدأ «القيادة من الخلف» و«بصمة القدم الخفيفة»، تصدرت فرنسا عملية «فجر الأوديسا» في آذار من عام ٢٠١١، وفجرت الحرب على ليبيا. وبمجرد أن قرّرت الولايات المتحدة التهديد بعملية عسكرية ضد دمشق بذريعة الهجوم الكيميائي، اصطفت فرنسا تلقائياً، ومعها ألمانيا وبريطانيا في جحفل التهديد الأميركي دون أي تردد. وفي الحقيقة تبدو التبعية الفرنسية للولايات المتحدة في الأزمات الدولية الكبرى، أكثر جلاءً منذ أن عادت «فرنسا نيكولا ساركوزي» عام ٢٠٠٩ إلى حلف شمال الأطلسي، بعد أربعين عاماً من القطيعة الديغولية. وتبدو التلقائية الفرنسية منطقية في ضوء الدخول منذ تسعة أعوام في القيادة الموحدة لحلف يعمل تحت الأعلام الأميركية.
وتسطع أنوار الحسابات السياسية للرئيس إيمانويل ماكرون وما يدفعه إلى ممالأة الرئيس دونالد ترامب في سوريا، أكثر من أي وقت مضى. وليس أدعى إلى تلك الممالأة أكثر من الصفر الذي يذيّل حصاد عام، وخيبات لا تنقطع من محاولات العودة بقوة الدفع الذاتي إلى دور في العملية السياسية في سوريا وملفاتها المتشعبة العسكرية والأمنية. إذ رفض الروس خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول الماضي، اقتراحاً فرنسياً بإحياء مجموعة الاتصال الدولية حول سوريا، يعيد إلى باريس مقعدها الأخير الذي فقدته في إدارة الأزمة السورية عبر عملية جنيف التي ضمرت وتناثرت بسبب تشدد الدور الفرنسي في كل المحطات وتبعيته طوال المسار منذ عام ٢٠١٤ لواشنطن، ومنافسة مسارات «روسية» له في فيينا وأستانا وموسكو أخيراً، لم تاخذ باريس علماً بها.

عدم امتلاك باريس لرؤية مختلفة عن واشنطن حرمها فرصة انتزاع دور جديد


وفي زمن أقرب، صدّ الروس محاولة فرنسية للعودة من بوابة «أزمة منبج» إلى المشاركة في إدارة الملف السوري، والدخول طرفاً في أي مفاوضات أميركية روسية حول مستقبل المدينة التي يعتزم الأتراك مدّ سيطرتهم إليها، وإخراج القوات الكردية منها. والأرجح أن الاستظلال بالقاعدة الأميركية في منبج لا يزال يؤمن حضوراً فرنسياً في المنطقة، رغم هزال الحضور العسكري الذي لم يتجاوز ٨٠ حندياً من القوات الخاصة، يساندهم ١٥ جندياً وصلوا من أربيل، هو أقصى ما استطاع الفرنسيون حشده لدعم مطلبهم الاستراتيجي الكبير: المشاركة في تقرير مصير سوريا، أو حماية المشروع الكردي فيها.
ولم تكن الخيبة قدراً لا مرد له. إذ لقيت المواقف الماكرونية المبكرة الناقدة لما سبقها في سوريا وفي إيران استقبالاً معقولاً، كان يمكنها أن تتحول إلى حفاوة لو تطورت إلى سياسة ثابتة. لكن عدم امتلاكها لرؤية مختلفة عن الرؤية الأميركية واستراتيجيتها، حرمها فرصة انتزاع دور جديد، وأطاح الانطباع الإيجابي الأولي عن الماكرونية في أيامها الأولى.
لا يقتصر الأمر على الانقياد للولايات المتحدة في سوريا. ففي اتهام بريطانيا لروسيا بمحاولة اغتيال الجاسوس سيرغي سكريبال، انضم الفرنسيون من دون تردد إلى الحملة العقابية المفرطة الأميركية والأوروبية. وفي الملف النووي الإيراني، الذي عارض فيه ماكرون مبدئياً إلغاء ترامب اتفاقه من جانب واحد ووقع ضده البيان الثلاثي مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، عادت باريس لتلعب دور ساعي البريد وناقل الشروط الأميركية إلى طهران لوضع برنامجها الباليستي بين قوسين.
بُعد إضافي للتصعيد الفرنسي ضد سوريا هو اندراج ملفها ضمن ملفات داخلية إلى حدّ كبير. وبسبب سردية سائدة لدى الرأي العام الفرنسي، عبر التيار الغالب في وسائل الإعلام، تروج لها جماعات الضغط المعادية لسوريا، تعيد إنتاجها في كل مناسبة، ولا سيما في الملف الكيميائي الذي تحول إلى خط أحمرَ رئاسي. يستجيب التصعيد لحاجة داخلية في وجه تراجع الشعبية الكبير لماكرون، بعد انبعاث الاحتجاجات في قطاعات اجتماعية واسعة تطاول الطلاب والعمال وموظفي القطاع العام، وانتهاء فترة السماح والترقب التقليدية لتحقيق الوعود الرئاسية.
بعد أخير يضيء على طريقة ماكرون في اتخاذ القرارات بشأن سوريا وغيرها واتساع هامش الخطأ فيها، هو مذهبه «الملكي» في فهم السلطة ووظيفة الرئاسة. إذ إنّ الموظف القادم من مكاتب مصرف روتشيلد المعتمة إلى قاعات الإليزيه المذهّبة، يملك رؤية للدور الرئاسي ودستور الجمهورية الخامسة، يجعل منه ملكاً أكثر منه رئيساً للجمهورية. فخلال عام من ممارسة السلطة، أنجز تهميش مراكز القرار المنافسة للإليزيه، وتوسّع في تفسير دستور الجمهورية الخامسة وصلاحيات الرئيس. وهكذا لم يعد لـ«الكي دورسيه» من دور سوى التفرج على رئيس له يقرر كل شيء من دون العودة إليه، علماً أن السياسة في «الكي دورسيه» لا تبتعد كثيراً عن الخط الذي يتبعه الرئيس. ولكن أكثر ما يؤخذ على ماكرون هو المزيد من الانفراد باتخاذ القرارات من دون العودة حتى إلى مستشاريه، ولا سيما في الشؤون الدولية، حيث لا خبرة له ولا عاصم لباريس من الانزلاق في أي مغامرة، أو السير في ركاب في الولايات المتحدة والمشاركة في أي عملية محتملة مقبلة.