القاهرة | لم يكن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مخطئاً عندما تحدث عن دور الإعلام في دعم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. الإعلام المصري خضع في الستينيات من القرن المنصرم لرقابة مسبقة، أطاحت كثيرين، وسجنت آخرين بسبب مقالاتهم. هكذا يريدها «الرئيس ـــ المشير» الآن، مع استعداده لبدء الولاية الثانية رسمياً في حزيران/يونيو المقبل.

ضاق نظام السيسي بأبسط قواعد المعارضة الشكلية. صحيح أن حرية الصحافة تراجعت كثيراً خلال السنوات الأربع الماضية، على وقع التهديدات الأمنية غير المباشرة للصحف والمواقع، وإقرار قوانين للصحافة مكبّلة للحريات، وتضع قيوداً عدة على تدشين وإدارة المواقع الإلكترونية التي تضاعفت أعدادها بعد «ثورة 25 يناير». إلا أنّ المعارضة ظلت تجد متنفساً، ولو على استحياء، سواء في بعض الكتابات الفردية في الصحافة الحكومية، أو عبر صحف خاصة على غرار «المصري اليوم» و«الشروق»، وهما الصحيفتان اللتان توصفان بأنّهما «الأكثر اعتدالاً» في التعامل مع الدولة.
يريد السيسي إعلاماً لا يرى أخطاءه، ولا يرى أيّ سلبيات يقوم بها. إعلام يحمّل المواطن مسؤولية أي شيء يحدث، ويؤكد أن الدولة المصرية تواجه إرهاباً يستحق أن يضحي المصريون بسببه. إعلام شبابه راضخون، وشيوخه غالبيتهم منساقة خلفه، أملاً في منصب... أو حتى مجرّد حضور فعالية رئاسية.
في مقاله المنشور في جريدة «الشروق»، يصف عضو مجلس نقابة الصحافيين محمد سعد عبد الحفيظ المشهد الصحافي بأنه «أسوَد من قرن الخروب»، مؤكداً أن الإعلام لا ينقل إلا ما يسمح له بنقله، والأشجع في هذه اللحظة هو من يحني رأسه للعاصفة، ويضعه في الرمال، حتى لا يسير في ركب «التضليل». هذا الوصف هو الأدق لما صار عليه المشهد في مصر، من تهديدات بالحبس وتشديد على الافكار وإقصاء لأيّ رأيٍ يعارض «المشروعات القومية». حتّى تصريحات الوزراء والمسؤولين يتم تعديلها إذا تضمنت ما يراه الرقيب تجاوزاً، وهو ما حدث مع تصريحات وزير الخارجية سامح شكري، الأسبوع الماضي في الخرطوم، عندما أعلن فشل المباحثات «التُساعية» التي عقدت، وطلبت جهات سيادية تغيير الوصف (الفشل) إلى «عدم التوصل إلى نتائج»!
وفق معلومات «الأخبار»، فإنّ اللواء عباس كامل، مدير مكتب السيسي، ومدير جهاز المخابرات العامة بالوكالة، طلب استبعاد رئيس تحرير صحيفة «المصري اليوم»، مهدّداً بإجراءات عقابية على هذه المؤسسة الإعلامية، من بينها حجب الموقع الإلكتروني ـــ وهو الإجراء الذي يستخدمه النظام المصري كمقصلة للمنصّات الإعلامية في الداخل والخارج ـــ وفتح ملفات فساد لمالكيها، وسط تلويح بالإغلاق القريب لأقدم مؤسسة صحافية خاصة. ومُنح عبد اللطيف المناوي، المسؤول عن إدارة الصحيفة، أسبوعاً واحداً للإعلان عن اسم رئيس التحرير الجديد، خلفاً لرئيس التحرير محمد السيد صالح، الذي أشرف على «مانشيتات» الجريدة عشية الانتخابات الرئاسية، والتي تضمنت إحداها عبارة تفيد بقيام أجهزة الدولة بحشد الناخبين للصناديق بسبب ضعف الإقبال على المشاركة في الانتخابات الرئاسية.

الفشل الذي يعاني منه النظام في ملفات عدة وصل إلى الإعلام


أسبوع اللواء كامل بدأ يوم السبت ما قبل الماضي، بعدما تمسّكت «المصري اليوم» بعنوانها، ورفضها الاعتذار، لتتوالى بعد ذلك الضغوط والتهديدات، التي لم تتعرّض الصحيفة الأكثر انتشاراً لمثيل لها على مدار أكثر من 15 عاماً، قدمت خلالها صحافة انحازت إلى المواطن، حتى في أصعب الظروف.
صمدت «المصري اليوم» عندما نشرت المستشارة نهى الزيني، في عام 2005، مقالاً عن تزوير الانتخابات في دائرة رئيس الجمهورية لمصلحة مرشح «الحزب الوطني» على حساب «الإخوان». يومها تعرضت الصحيفة لتهديدات من نظام حسني مبارك، لكن رئيس تحريرها وإدارتها صمدوا في المواجهة. أمّا في عام 2018، أي بعد سبعة أعوام على الثورة التي قامت من أجل الدفاع عن الحرية، فقد أخفقت في التمسّك بعنوان لم تخطئ فيه، ونشرت اعتذاراً على صفحتها الاولى، التزاماً بقرار المجلس الأعلى للإعلام، وستدفع الغرامة المالية التي قررها المجلس.
ومع ذلك، فإنّ غريزة خنق الحريات الإعلامية المتحكّمة في اللواء عباس كامل لم ترتوِ بتلك الإجراءات، فاستمرت الضغوط، حتى وقع الاختيار على الكاتب الصحافي حمدي رزق، المؤيد للنظام، ليكون رئيساً لتحرير «المصري اليوم»، وقد باشر عمله بالفعل في وقت لا يزال فيه الموقع الإلكتروني محجوباً، عقاباً على موقفها، وسط وعود بالاستجابة قريباً للمطالب بفك الحجب، فيما تقول المؤسسة رسمياً إنّ السبب تقني، ولم يتم التوصل لمعرفة المشكلة من أجل حلّها!
صحافيون «في الخدمة»
منذ وصول عبد الفتاح السيسي، إلى الحكم، تراجعت الصحف تلقائياً بعد تدخل الجيش والمخابرات في إدارة ملف الإعلام، ما تسبّب في استبعاد عدد من محرري رئاسة الجمهورية من أماكن عملهم على خلفية نشرهم لمخالفات أو تفاصيل عن كواليس بعض ما يدور في قصر الاتحادية.
هذا الاستبعاد حوّل رئاسة الجمهورية إلى جهة لا تقبل غير الصحافيين المؤيدين للسيسي حتى النخاع، وهو ما ظهر في استقالة محرر الرئاسة في «المصري اليوم» فور غضبة الدولة على صحيفته التي عمل فيها لأكثر من 10 سنوات. المحرر ذاته هو الذي وفّرت له الرئاسة لاحقاً فرصة العمل كمستشار إعلامي لوزير التجارة والصناعة، مكافأةً على ولائه للرئاسة.
هكذا تحوّلت رئاسة الجمهورية من مكان يقوم فيه المحررون الصحافيون بمتابعة أخبار الرئيس، إلى مكان لا يقبل سوى مؤيدي الرئيس، ويوفّر لهم فرص عمل إضافية، عبر الانضمام إلى مكاتب الوزراء كمستشارين إعلاميين، برواتب ومكافآت استثنائية، باعتبارهم متعاقدين من الخارج. هذه المعادلة ارتضتها الصحف الحكومية والخاصة تجنّباً للحرمان من الاعتماد الرسمي في قصر الاتحادية، كما حدث مع جريدة «الشروق» التي رفضت الرئاسة اعتماد محررها بسبب مواقفها السياسية.
الفشل الذي يعاني منه نظام السيسي في ملفات عدة وصل إلى الإعلام. ولا توجد مؤسسة إعلامية دخلها الجيش أو المخابرات إلا وتشهد حالة من التخبّط.
المشهد مرتبك بشدة، وكثرة التغييرات التي تحدث تجعل أي مسؤول لا يبقى في منصبه سوى بضعة أسابيع، فيما يؤدي غياب الخطط والرؤى إلى إلحاق الخسائر بجميع المؤسسات الإعلامية التي تحقق إيرادات فقط من الإعلانات، التي تصدر بالأمر المباشر لرجال الأعمال لتغطية النفقات.



«مقصلة» عبّاس كامل
يُعِدُّ اللواء عباس كامل حالياً قائمة تغييرات أخرى في المجالس المسؤولة عن إدارة الإعلام، بسبب «عدم رضاه» عن أداء المجالس الحالية. هذه التغييرات قد تشمل إطاحة نقيب الصحافيين عبد المحسن سلامة من رئاسة مجلس إدارة مؤسسة «الأهرام»، وإقصاء رؤساء باقي الهيئات الإعلامية واستبدالهم بوجوه أخرى، في مقدمتها رئيس مجلس إدارة مؤسسة «أخبار اليوم» ياسر رزق، المقرّب من السيسي، علماً بأن هذه القائمة سيتم اعتمادها رسمياً ضمن التغييرات التي ستحدث خلال الشهرين المقبلين.