في كلمة خلال إحدى فعاليات «الملتقى الاستشاريّ» الذي سيُعقد 30 مدينة ليبيّة، أعلن مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة، أنّ «زمن» الاتفاق السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، وتحاول إدخال تعديلات عليه ليرضي معظم الأطراف، «غير مفتوح»، موضحاً أنّ هذا الاتفاق «سيبقى إلى حين إقرار دستور وإجراء انتخابات عامّة». وأكد سلامة استعداد بعثة الأمم المتحدة لمساعدة الليبيّين في مختلف الانتخابات، البلديّة والبرلمانيّة والرئاسيّة، وكذلك في تنظيم الاستفتاء على الدستور حين يصدر القانون الخاصّ به. وللإشارة، فإنّ السلطات في ليبيا، تتمثل في «مجلس رئاسيّ» معترف به دولياً ويتزعمه رئيس «حكومة الوفاق» فائز السراج، و«مجلس أعلى للدولة» يعمل كهيكل نيابيّ استشاريّ، وبرلمان منتخب يتبع لسلطات شرق البلاد، وحكومة غير معترف بها منبثقة من هذا البرلمان.

لكن بموازاة جهود تقريب وجهات النظر التي يقوم بها غسان سلامة، والنيات المعلنة من حكام شرق البلاد وغربها، يشير الواقع الميدانيّ إلى معطيات أخرى تُظهر مدى انعدام الثقة بين الغرماء، خاصّة في ما يتعلّق بمسألة توحيد القيادة العسكريّة، التي عقدت لها اجتماعات متكررة في القاهرة دون الوصول إلى حلّ توافقيّ. ويبدو الأمر متوقفاً على تحديد شخصيّة قائد الجيش، ففيما تتشبث سلطات الشرق بخليفة حفتر، لا ترى قوى عسكريّة نافذة في غرب البلاد إمكانيّة لتوليه ذلك المنصب.
آخر التطورات العسكريّة، التي تتخذ منحىً تصاعديّاً كلما ظهر ضوء في نهاية النفق، تشمل حملة جديدة أطلقتها قوات «عمليّة الكرامة»، التي يقودها حفتر، على مدينة درنة شرق البلاد، أول من أمس، بعد حشد للقوات استمرّ على مدى أسابيع. ويسيطر على المدينة «مجلس شورى مجاهدي درنة» الذي طرد قبل عامين مسلحي «داعش»، فيما يراه حفتر «طرفاً إرهابيّاً».
ويوم أمس، أكد صلاح بوجيدار، وهو المتحدث باسم غرفة «عمليات عمر المختار» التابعة لقوات حفتر، استمرار العمليّة حتى تخليص المدينة من «الجماعات الإرهابيّة». من جهته، أعلن محمد المنصوري، وهو المتحدث باسم «مجلس شورى مجاهدي درنة»، أنّهم «صدّوا المحاولة الفاشلة» لاقتحام المدينة.
وتأتي هذه التطورات، في وقت يواصل فيه خليفة مساعيه الحديثة للسيطرة على الجنوب الليبي والمناطق الحدودية. وفي هذا الصدد، أعلن رئيس برلمان الشرق عقيلة صالح، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، حالة الطوارئ في المنطقة الجنوبيّة، ما يعني ربما قرب حدوث عملية عسكرية. ويأتي ذلك بعد تكرر المواجهات في مدينة سبها وضواحيها في الجنوب الغربيّ للبلاد وقطع طريق رئيسيّة بها، أعيد فتحها أمس.
ومن دلالات اشتداد سيطرة حفتر في الجنوب إعلان «اللواء السادس مشاة»، أول من أمس، على لسان آمره خليفة عبد الحفيظ الذي عيّنه حفتر حديثاً، ولاءه لـ«عمليّة الكرامة»، ووقف إطلاق النار. ويسيطر على «اللواء» المتركّز في قلعة سبها التاريخيّة أبناء قبيلة أولاد سليمان، وهي تمثّل أحد طرفي النزاع في المدينة (الطرف الآخر هو قبيلة التبو). إضافة إلى ذلك، عيّن حفتر حديثاً حاكماً عسكريّاً للمدينة، فيما تشنّ طائراته، في المدة الأخيرة، غارات دوريّة على معسكرات حدوديّة للمعارضة التشاديّة.

للغرب حملاته أيضاً
من جهتها، دخلت سلطات غرب البلاد في حملات خاصّة بها، في مناكفة لحملات حفتر وسلطات الشرق، ويظهر ذلك في عمليّة «عاصفة وطن» التي أُطلقت قبل عشرة أيام وتستمر من دون تحقيق نتائج تذكر، وهو أمر غير مستغرب بما أنّها تشمل مناطق بعيدة نوعاً ما عن أماكن تمركز تنظيم «داعش» في ضواحي مدينة سرت.
جدير بالذكر أنّ سلطات الغرب نفسها ليست متجانسة، فإلى جانب السراج ومجلسه الرئاسيّ، يوجد «المجلس الأعلى للدولة» الذي يتركب من مكونات السلطة القديمة في العاصمة. وقد شهد «المجلس» يوم الأحد الماضي، انتخابات انهزم فيها رئيسه السابق عبد الرحمن السويحلي، أمام خالد المشري، الذي ينتمي إلى حزب «العدالة والبناء» (الإخوانيّ)، ويرى أنّ الجيش الذي يقوده حفتر «تنظيم إرهابيّ». وللإشارة، أثار هذا الحدث خشية الأجهزة الأمنية المصرية المتابعة للملف الليبي.
وإذا ما أضيف المعطى السابق إلى المصالحة التي عُقدت قبل أسبوعين بين مدينتي الزنتان ومصراته، الأكثر قوّة في الغرب، والتهديدات التي أطلقتها مليشيات في المنطقة الغربيّة بعد اجتماع توحيد الجيش في القاهرة، والتي رفضت فيها تسليم مقاليد الشؤون العسكريّة إلى حفتر، يصير من الواضح أنّ الحلّ أبعد من مرمى النظر.