لم تغاير كلمات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لدى استقباله أمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني، كثيراً، كلماته خلال لقائه ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إنما الترحيب على قدر «الفستق» المتوافر. قال ترامب إن تميم «صديق رائع لي، ونعمل معاً بشكل جيد»، مضيفاً أن «الأمور تسير بشكل ممتاز مع قطر»، بعدما كان أسمع ابن سلمان «(أننا) نفهم بعضنا بعضاً»، وأن «العلاقة لن تشهد على الأرجح سوى مزيد من التحسن». يعزز التفسير «التجاري» لتصريحات ترامب استباقها، ليل الإثنين - الثلاثاء، بالإعلان عن صفقة لبيع قطر صواريخ موجهة بقيمة 300 مليون دولار، ما يشي بأن الولايات المتحدة لن تتردد في الاستثمار في الخلاف الخليجي ما دام قائماً. لكن هل يمكن النظر إلى كلام الرئيس الأميركي بوصفه، في الوقت نفسه، مؤشراً إلى حلحلة محتملة في الأزمة المندلعة منذ حزيران/ يونيو الماضي؟ تذهب معظم الصحف الأميركية إلى أن ثمة إرادة مستجدة متبلورة داخل إدارة ترامب بهدف إنهاء «الشقاق» بين الحلفاء والتفرغ لمواجهة إيران، وأن ما يعيق ترجمة هذه الإرادة إلى الآن هو الموقف الإماراتي بالدرجة الأولى. إلا أن تلك التقديرات تظل محفوفة بالشكوك، بالنظر إلى عدم إمكانية المراهنة على ثبات مواقف ترامب، وكذلك استمرار التصعيد السعودي في وجه قطر، والذي تجلت أحدث حلقاته أمس في تأكيد الرياض رسمياً نيتها شقّ قناة مائية على الحدود مع جارتها، من شأنها تحويل الأخيرة إلى جزيرة.

وَصَف الرئيس الأميركي أمير قطر بـ«الجنتلمان والرجل الذي يحظى بشعبية كبيرة في بلاده»، في ما يمكن تأويله على أنه رسالة لدول المقاطعة التي دأبت خلال الأشهر الماضية على محاولات زعزعة النظام القطري عبر شخصيات معارِضة لتميم ووالده. وأكد ترامب أنه «يعمل على عودة الوحدة إلى دول الخليج» من دون إيضاح طبيعة تلك المساعي، علماً أن صحيفة «نيويورك تايمز» كشفت في وقت سابق أن ولي عهد السعودية وولي عهد أبو ظبي كانا أبلغا الرئيس الأميركي بأنهما سيرفضان أي دعوة إلى قمة خليجية - أميركية في الولايات المتحدة خلال الشهر الجاري، على اعتبار أن خطوة من هذا النوع تتطلب إنهاء المقاطعة المفروضة على الدوحة. وفي حال صحّت رواية الصحيفة الأميركية فإن علامات استفهام تُطرح حول حظوظ ترامب في التوفيق بين حلفائه، إذا ما كان الرجل «يسعى بقوة (فعلاً) لحل الأزمة الخليجية» كما ذكرت «نيويورك تايمز». ووفقاً لما نقلته الأخيرة، ومعها صحيفة «واشنطن بوست»، عن مسؤولين أميركيين، فإن الرئيس بات مقتنعاً بأن الإمارات هي التي تعيق تسوية الأزمة، وبأن الخلاف الخليجي أضحى عنصر تشتيت للتركيز على النزاعات المتراكمة في المنطقة، الأمر الذي يستجوب الإسراع في إنهائه.

وقّعت قطر اتفاقاً مع «بوينغ» لشراء 5 طائرات شحن


في هذا الإطار، أطال أمير قطر في العزف على الأنغام التي تطرب واشنطن لسماعها، مُقدّماً جردة حساب لترامب تُظهر تأدية الدوحة للفروض الأميركية بحذافيرها. أشار تميم إلى «(أننا) تعاونا مع الولايات المتحدة لوضع حد لتمويل الإرهاب عبر المنطقة»، مضيفاً «(أننا) لن نتسامح مع الأشخاص الذي يدعمون أو يمولون الإرهاب»، مبدياً استعداد بلاده لـ«التعاون تماماً مع واشنطن» في المجال المذكور. وأعاد الرجل التذكير بموقع بلاده في خارطة القواعد الأميركية في الشرق الأوسط، قائلاً إن «مهمة مكافحة الإرهاب تنطلق من قاعدة العديد في قطر» في دعوة مبطنة لترامب إلى إبقاء الدوحة تحت مظلة الحماية الأمنية التي توفرها الولايات المتحدة لحلفائها. وعلى المستوى العملي، لن تتأخر قطر في الاستجابة للرغبات الأميركية، إذ سيتوجب عليها دفع 300 مليون دولار لقاء 5 آلاف نظام من سلاح القتل الدقيق المتقدم الموجّه بالليزر (أبكوس)، فضلاً عن 5 آلاف رأس حربي شديد الانفجار، كانت أعلنت وزارة الدفاع الأميركية، ليل الإثنين - الثلاثاء، موافقتها عليها، واصفة قطر بأنها «قوة هامة من أجل الاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي في منطقة الخليج الفارسي». كذلك، سيكون على الدوحة دفع 1.7 مليار دولار لشراء خمس طائرات شحن وقّعت، أمس، خطاب نوايا مع شركة «بوينغ» الأميركية بشأنها، فضلاً عن مبالغ أخرى إذا ما أدت المفاوضات بين شركة «قطر للبترول» (حكومية) وشركة «إكسون موبيل» القطرية إلى منح الأولى فرصة الاستثمار في مشروع مرتبط بقطاع الغاز الصخري الأميركي.
في كل الأحوال، وسواءً أدت مساعي ترامب إلى إعادة لم الشمل الخليجي قريباً، أم لم تفلح في ذلك قبيل الموعد المفترض الجديد لقمة كامب ديفيد، (والذي احتملت صحيفة «واشنطن بوست» أن يَحِلّ من دون أن يكون قد تم إحراز تقدم، وهو ما سيدفع ترامب إلى إدراج الملف على جدول القمة) فإن واشنطن تبدو المستفيدة الأكبر من الأزمة التي يتسابق أطرافها على نيل الرضى «الترامبي»، في مشهدية يُتوِّجها محمد بن زايد بزيارته المرتقبة إلى الولايات المتحدة خلال الشهر الجاري. وفي انتظار اتضاح نوايا الرئيس الأميركي ومآلات جهوده، يبقى المسرح مفتوحاً أمام الهجمات المتضادة بين السعودية والإمارات من جهة وبين قطر من جهة أخرى، والتي تمثلت أحدث فصولها أمس في تأكيد المستشار في الديوان الملكي السعودي، سعود القحطاني، الأنباء عن مشروع «قناة سلوى»، قائلاً إن قطر ستتحول إلى جزء من جزيرة سلوى، وإن «التاريخ سيذكر أنه كانت هناك في تلك الأرض دولة». لكن مجلة «فوربس» الأميركية شككت في إمكانية تنفيذ المشروع السعودي أو استمراره، معتبرة أنه يأتي في سياق «المنكافة السياسية فقط».