رام الله | في تصعيدٍ لافت، أعلن عدد من الزملاء الصحافيين وبعض الأساتذة الجامعيين انسحابهم من مؤتمرٍ يُشرِف عليه «مركز الإعلام» التابع لجامعة النجاح في نابلس، شمالي الضفة المحتلة، وذلك احتجاجاً على فرض التغريد الإجباري على الموظفين، مروراً بفصل بعضهم، وصولاً إلى هجوم الإدارة على نقابة الصحافيين، وانتهاءً بالتسبب في توقيف صحافي لدى أجهزة الأمنية واستدعاء نحو ستة آخرين للمثول أمام النيابة تمهيداً للمحاكمة على خلفية الأزمة نفسها.

فمنذ بداية الشهر الجاري، وصلت تهديدات إلى عدد من الزملاء بالفصل بسبب رفضهم التغريد على هاشتاغ «#الاستهداف_الجبان» الذي أطلقته إدارة مركز الإعلام احتجاجاً على التفجير الذي استهدف موكب رئيس الوزراء رامي الحمدالله ومدير المخابرات ماجد فرج في غزة، فيما دافع المركز عن نفسه في عدة بيانات، لكنه هاجم نقيب الصحافيين، ناصر أبو بكر، في إحداها، واصفاً إياه بـ«المدعو»، كذلك اتهم النقابة المقربة من حركة «فتح» بـ«الكذب».
وعلمت «الأخبار» أن المركز أجبر موظفيه على التغريد القسري، فيما كان «موقع النجاح» الإخباري يعيد نشر تغريدات الموظفين مرفقاً بمواد هجومية ضد حركة «حماس»، علماً أن المركز الإعلامي يتبع الجامعة التي لا يزال رئيسها هو رامي الحمدالله نفسه، إذ كان اشتراطه أن يحلّ في منصب رئاسة الوزراء، على أن يبقى منصبه في رئاسة الجامعة معلقاً، وينوب عنه قائم بالأعمال إلى حين عودته.
في المقابل، تصرّ نقابة الصحافيين على «وجود شبهاتٍ بفصل موظفين على خلفية رفضهم التغريد القسري، وبعض المفصولين يتّهمون المركز بفصلهم لهذا السبب»، فيما يقول «مركز الإعلام» إن الفصل جاء بناءً على «تقييمٍ» خضع له الموظفون. ووفق المعلومات، بلغ عدد الذين تركوا العمل لدى المركز 12 موظفاً ومتدرباً، وليس خمسة أو ستة كما هو متداول، فيما استغلت جامعة النجاح وجود بعض الموظفين على قيد عقد عمل لأكثر من سنتين دون تثبيت ــ وهو أسلوب مخالف لقانون العمل ــ لتتخلص منهم من دون مسؤولية قانونية.

فصل «مركز الإعلام» نحو 10 صحافيين رفضوا التغريد ضد «حماس»


وبصورة عامة، باتت «النجاح» تشارك السلطة في قمع الحريات، إذ إن إدارة الجامعة منعت قبل مدة طالباً من دخولها بسبب منشورٍ عبر «فايسبوك»، رغم أن بإمكانها رفع شكوى عليه وفق الأصول المتعارف عليها. وكذلك جاء استدعاء النيابة العامة الخميس الماضي لعددٍ من الصحافيين على خلفية قضية مركز الإعلام في الجامعة، إذ أسندت إليهم النيابة تهم الذم والقدح والتشهير، إضافة إلى «تعريض سلامة الدولة للخطر». وكان الزميل رامي سمارة أول الموقوفين، قبل أن يصدر رئيس السلطة محمود عباس قراراً بالإفراج عنه، لكن من دون وقف إجراءات المحاكمة، فيما ينتظر صحافيون آخرون جلسات مشابهة هم: عنان عجاوي، ونائلة خليل، ومدى شلبك، وآيات عبد الله.
ومن الجدير ذكره أن «مركز مدى للتنمية والحريات في فلسطين» كشف في تقريرٍ عن العام الماضي أن 2017 سجّل ارتفاعاً في عدد الانتهاكات ضد الصحافيين والناشطين بنسبة 38% عن 2016، ووثّق المركز 530 انتهاكاً منها 376 نفذها العدو الإسرائيلي، و154 انتهاكاً في الضفة وغزة نفذته قوات الأمن التابعة للسلطة و«حماس». ووفق المركز يحاكم الصحافيون في الضفة استناداً إلى قانون العقوبات الأردني الموضوع في ستينيات القرن الماضي، وكذلك وفقاً لقانون الجرائم الإلكترونية الذي أقره رئيس السلطة محمود عبّاس العام الماضي، وكلاهما تتخللهما ثغراتٌ وفق خبراء قانونيين.
ففي القانون الأخير الذي أقره عباس، تشمل المادة 51 وقوع مخالفاتٍ تستحق العقوبة على «أي جريمة من الجرائم المنصوص عليها في هذا القرار بقانون بغرض الإخلال بالنظام العام، أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر... أو بقصد الإضرار بالوحدة الوطنية، والسلام الاجتماعي، أو ازدراء الأديان أو الاعتداء على الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور أو القانون الأساسي»، وهنا يسوق خبراء القانون جُملةً من التساؤلات عمَّن سيقرر ما الذي يضرّ بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي، أو المعيار الذي سيحدد ذلك، فيما تكون العقوبة السجن مع «الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة»!
وكانت منظمات «هيومن رايتس ووتش»، وكذلك «العفو الدولية»، قد طالبت بتعديل هذه النصوص كي لا يستعمل القانون الجديد «كأداة لإسكات لتعابير شرعية عن الرأي وانتقاد السلطات، أو لانتهاك حق الفلسطينيين بالتعبير والخصوصية». أما في غزّة، فيستجوب أمن «حماس» الصحافيين والناشطين ويُحاكمهم استناداً إلى البند رقم 262 من قانون العقوبات لعام 1963، بتهمةٍ عنوانها «استخدام مسيء للتكنولوجيا». إلى ذلك، قال الصحافي محمد دراغمة إنه كان مدعواً في الثامن عشر من الشهر الجاري لترؤس جلسة في مؤتمر إعلامي يعقده مركز الإعلام في جامعة النجاح، «لكنني قررت الانسحاب ومقاطعة المؤتمر احتجاجاً على الدعوى التي رفعها مدير المركز ضد ست صحافيات وصحافيين».