إن تحديد حقيقة استخدام الجيش السوري أسلحة كيميائية محظورة في دوما يستدعي إجراء تحقيق محايد ومستقل، لكن الولايات المتحدة، ومعها فرنسا والمملكة المتحدة، مصرّة على حسم الموضوع من خلال إدانة الدولة السورية ورفض الاقتراح الروسي باعتماد آلية تفتيش تعمل وفق معايير محددة في نصّ الاتفاقية الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية.

شهد مجلس الأمن أول من أمس جولات من التراشق الكلامي العنيف بين مندوبي الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى بشأن شبهة استخدام أسلحة كيميائية في سوريا. وسقطت بالتالي ثلاثة مشاريع قرارات بعد التصويت عليها، ولم يتمكن أعضاء المجلس من الاتفاق على آلية تحقيق دولية مستقلة ومحايدة يمكن أن تحدد حقيقة المزاعم باستخدام الجيش السوري أسلحة كيميائية.
وادعت القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أن روسيا أرادت من خلال استخدامها حق النقض (فيتو) أثناء التصويت على مشروع قرار أميركي، منع إجراء تحقيق محايد ومستقل. غير أن مراجعة تفاصيل المداولات والتدقيق في الطرح الروسي الذي أيدته الصين وبوليفيا وإثيوبيا وكازاخستان، يؤكد أنّ المطلب الأساسي كان أساسه وجوب اعتماد آلية تحقيق تتبع المنهجية المحددة في القانون الدولي، وتحديداً في نص اتفاقية حظر استحداث الأسلحة الكيميائية وإنتاجها وتخزينها واستعمالها.
قبل عرض أبرز الجوانب الخلافية بشأن آلية التحقيق والمنهجية، لا بد من الإشارة إلى أنّ الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا لم تعترض على مشروع قرار روسي بتحديد آلية عمل لجنة التحقيق المستقلة بحسب معايير الاتفاقية الدولية فحسب، بل اعترضت كذلك على مشروع إضافي اقترحته روسيا لإدانة استخدام الأسلحة الكيميائية المحظورة من أي جهة أتى، وذلك بحجة أنه لا يتناسب مع خطورة الانتهاكات المزعومة لقرارات مجلس الأمن. وذلك، أيضاً، بالرغم من امتثال سوريا لقرار مجلس الأمن 2118/2013 الذي دعا إلى تدمير كامل ترسانة الأسلحة الكيميائية بإشراف روسيا.

التحقيق المستقل والحفاظ على السيادة
طلبت روسيا من مجلس الأمن من خلال تشديدها على احترام نص اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية التزام ما ورد في الجزء الخاص بـ«التشاور والتعاون وتقصي الحقائق» (الجزء التاسع من الاتفاقية)، حيث إنه يحفظ استقلالية التحقيق وسيادة الدولة موضع التحقيق في آن واحد. لكن الولايات المتحدة وحلفاءها اعترضوا على الطلب الروسي لأنهم يسعون منذ بداية الحرب إلى تغيير النظام في سوريا، وبالتالي هم ما زالوا يعترضون على الاعتراف بسيادة الدولة السورية القائمة حالياً، بالرغم من اعترافهم بممثلها في الأمم المتحدة (بشار الجعفري).
إن منهجية التحقيق المذكورة في الاتفاقية وفي الملحق الخاص بالتفتيش تمنح الدولة موضع التفتيش حقّ «اتخاذ تدابير لحماية المنشآت الحساسة»، ومنع إفشاء المعلومات وبيانات سرية غير متصلة بالاتفاقية (الفقرة جيم من المادة 11). فمن حق الجيش السوري الحفاظ على سرية أسلحته غير المحظورة مثلاً، ومن حق الدولة السورية الحفاظ على سيادتها وعدم الإتاحة للمحققين استباحة جميع منشآتها الرسمية بحجة البحث عن أسلحة محظورة.
أما بشأن حق الدولة الطالبة للتفتيش في أن توفد ممثلاً لها لمراقبة سير التفتيش، فمن حق الدولة موضع التفتيش رفض المراقب المقترح (الفقرة جيم من المادة 12) وطلب استبداله. إن غياب التشاور مع الدولة السورية قبل انطلاق التحقيق لا يتيح ذلك، ويُعَدّ تجاوزاً للاتفاقية الدولية.
وبشأن تعيين المفتشين ومساعديهم، جاء في الاتفاقية أنه يجري تعيينهم بعد استشارة وموافقة الدول الموقعة على الاتفاقية. ويحق لأي دولة أن تعترض على مفتش محدد فيجري استبداله. ولأي دولة حق الاعتراض، في أي وقت، على أي مفتش أو مساعد تفتيش (الفقرة 4).
وينبغي أن يلتـزم أعضاء فريق التفتيش من دون المساس بامتيازاتهم وحصاناتهم، باحترام قوانين الدولة موضع التفتيش وأنظمتها، ويكونون كذلك «ملزمين بعـدم التدخل في الشؤون الداخلية لتلك الدولة» (الفقرة 13). فلا يحق للمفتشين مثلاً التعاون والتداول مع أشخاص خارجين عن القانون ومطلوبين للمحاكمة في سوريا.
ويفترض أن ينسق فريق التحقيق مع المسؤولين في الدولة موضع التفتيش لتحديد نقاط دخول إلى أي موقع تفتيش (الفقرة 16)، وذلك من أجل ضمان سلامة المفتشين أثناء قيامهم بعملهم ومن أجل تسهيل دخولهم إلى المواقع المستهدفة وخروجهم منها بأمان. وينبغي، بحسب المعايير القانونية إخطار المسؤولين في الدولة موضع التفتيش المعلومات التالية قبل انطلاق عملهم: نوع التفتيش، نقطة الدخول، تاريخ الوصول إلى نقطة الدخول والوقت المقدر لذلك، وسيلة الوصول إلى نقطة الدخول، الموقع المقرر تفتيشه، أسماء المفتشين ومساعدي التفتيش. ويجري ترتيب أنشطة فريق التفتيش بما يكفل نهوض الفريق بوظائفه في الوقت المناسب وعلى نحو فعال و«بأدنى درجة ممكنة من الإزعاج للدولة موضع التفتيش» (الفقرة 40). ويكون أعضاء فريق التفتيش، عند أدائهم لواجباتهم في أراضي أي دولة موضع تفتيش مصحوبين بممثلين عن هذه الدولة إذا ما طلبت ذلك، إلا أنه يجـب ألا يتسبب ذلك في تأخير فريق التفتيش أو إعاقته بأي شكل آخر في ممارسته لمهامه (الفقرة 41).