تتابع الولايات المتحدة الأميركية تحضيراتها لخطط التحرك العسكري المفترض ضد سوريا، واستكمال العدّة اللازمة ــ مع حلفائها ــ لتبرير العملية، ومنع انزلاقها إلى حرب واسعة النطاق. ويتولى الرئيس دونالد ترامب مهمة تغذية وسائل الإعلام عن «الضربة المنتظرة»، فيما يتحفّظ مسؤولو وزارة الدفاع على الإدلاء بأيّ تفاصيل حول الخيارات المطروحة على الطاولة. هذه الأجواء تخللتها أمس تصريحات لافتة لوزير الدفاع جايمس ماتيس، خلال استجوابه أمام لجنة القوات المسلحة في «الكونغرس»، تضمنت تأكيد غياب أي «دليل ملموس» (حتى أمس) في يد بلاده، حول هجوم دوما الكيميائي. أهمية كلام الوزير، وهو المسؤول المباشر عن خيارات الضربة العسكرية المخططة، لا تكمن في أنه يناقض اتهامات بلاده المسبقة للحكومة السورية، بل لكونه ترافق مع تأكيد كل من شبكتي «CNN» و«NBC-News»، نقلاً عن مسؤولين رسميين، أن الولايات المتحدة حصلت على تحاليل لدماء وبَول عدد من ضحايا هجوم دوما، تؤكد استخدام الكلور وغاز أعصاب «غير معرّف». الحديث الأميركي عن «أدلّة» حصّلها عملاء استخبارات من مستشفيات استقبلت المصابين، جاء صدىً لكشف فرنسيّ مماثل خرج عن الرئيس ايمانويل ماكرون نفسه، خلال مقابلة مع قناة «TF1» الفرنسية، إذ أكدّ الأخير أن بلاده تملك دليلاً يثبت استعمال أسلحة كيميائية من قبل الحكومة السورية في دوما، من دون أن يقدّم أيّ تفاصيل إضافية. ومع دخول «الأدلّة الموثّقة» ساحة التحضيرات الأميركية ــ الأوروبية المشتركة، خرج بيان من الحكومة البريطانية يكرّس موقف رئيسة الوزراء تيريزا ماي، باستعداد بريطانيا لمشاركة الولايات المتحدة في أيّ عملية عسكرية ضد سوريا. وترافق اكتمال المقاعد الثلاثة الأولى لقادة العداون الجديد مع انسحاب ألمانيا رسمياً، وإعلانها عدم المشاركة في الخطط الأميركية.

وفي موازاة وصول الوفد الأول من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى بيروت أمس، في طريقه إلى دمشق ومنها إلى دوما، على أن يتبعه وفد تقنيّ خلال اليومين المقبلين، كان «مجلس الأمن القومي» الأميركي ينعقد في البيت الأبيض، لبحث «خيارات عدّة» ستقدّم إلى ترامب، بشأن التحرك في سوريا، بحضور المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي. وانتهى الاجتماع ببيان من المتحدثة باسم البيت الأبيض، يقول إن «الرئيس ترامب أنهى الاجتماع مع فريق الأمن القومي لنقاش الوضع في سوريا، ولم يُتّخذ قرار نهائي. نحن نتابع تقييم المعلومات الاستخبارية، والمحادثات مع شركائنا وحلفائنا»، مضيفة أن «الرئيس سيتحدث مع الرئيس ماكرون ورئيسة الوزراء ماي، هذا المساء (أمس)». اللجنة التي لا يبدو أن الأميركيين مهتمون بنتائج تحقيقها، يفترض أن تدخل مدينة دوما لأخذ عيّنات من مكان الهجوم المفترض، وسط تعهّد جديد من الحكومة السورية بتوفير كل ما يلزم لضمان عملها بكفاءة. وكانت لافتة أمس دعوة الأمين العام لـ«حلف شمال الأطلسي»، يانس ستولتنبرغ، لدمشق وحلفائها إلى «السماح بوصول المساعدات الطبية الدولية والمراقبين الدوليين بشكل كامل ودون عوائق»، مشيراً في الوقت نفسه إلى «ضرورة محاسبة المسؤولين» عن الهجوم. ويأتي ذلك في وقت دخلت فيه قوات الشرطة الروسية إلى المدينة بعد تسليم مسلحي «جيش الإسلام» أسلحة ثقيلة وخرائط أنفاق، على أن تدخل تباعاً قوات الأمن الداخلي السورية إلى هناك، تمهيداً لعودة الدوائر الحكومية. وبدا لافتاً أن المصادر الرسمية السورية لم تعلن (حتى وقت متأخر من أمس) استعادة السيطرة على مدينة دوما بشكل كامل، وكذلك فعلت وزارة الدفاع.
وبينما بدت واشنطن وحليفتاها الأوروبيتان في خضمّ إنهاء «مرحلة لازمة» تتضمن تحضير «الأدلة» والخيارات العسكرية المشتركة، لعبت موسكو ورقة مجلس الأمن من جديد، إذ طلبت عقد جلسة اليوم، لنقاش تطورات الوضع في سوريا، تتضمن إحاطة من الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريس. ومن المحتمل أن تكون الجلسة فرصة لنقاش مشروع قانون اقترحته السويد، لإجراء تحقيق يشمل جميع حوادث استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا. وجاء هذا الطلب من روسيا، في وقت حثّ فيه مندوبها إلى المجلس، فاسيلي نيبينزيا، الولايات المتحدة وحلفاءها على الامتناع عن القيام بعمل عسكري ضد سوريا، مضيفاً أن «الأولوية القصوى هي تجنّب خطر الحرب». كذلك قال في معرض الرد على سؤال حول احتمالات التصعيد بين بلاده والولايات المتحدة، إنه «للأسف لا يمكننا استبعاد أي احتمالات، لأننا رأينا رسائل تأتي من واشنطن. وكانوا مولعين بالحرب بشدة»، على ما نقلت عنه وكالة «رويترز». ومن الممكن أن تقرأ الدعوة الروسية الطارئة إلى اجتماع مجلس الأمن، في إطار التصريح الأخير، على أنها محاولة للتأثير على الجدول الزمني للخطط الأميركية ــ الأوروبية، خاصة أن نيبينزيا قال إن «خطر التصعيد أكبر من مجرد كونه يتعلق بسوريا، لأن جيشنا موجود هناك... لذلك فالوضع شديد الخطورة». وفي ضوء هذا التوتر الروسي ــ الأميركي، يبرز الدور التركي النشط بينهما، إذ أجرى الرئيس رجب طيب أردوغان اتصالاً هاتفياً بنظيريه في واشنطن وموسكو، على التوالي، خلال اليومين الماضيين، وتركّز الحديث على التصعيد الأخير المرتبط بالشأن السوري.
ومع تجديد دمشق تأكيدها تعاونها التام وترحيبها بفريق «منظمة حظر الأسلحة الكيميائية»، استقبل الرئيس بشار الأسد المستشار الأعلى لقائد الثورة الإسلامية في إيران، علي أكبر ولايتي، الذي أجرى زيارة مطوّلة لدمشق، في وقت حساس ولافت للغاية. وتوافق الطرفان على أن التحركات الأميركية المحتملة هي «محاولة لتغيير مجرى الأحداث» وسوف تسهم في «زعزعة الاستقرار في المنطقة».