لا طائرات تحلِّق في سماء الساحل السوري منذ أيام، والوضع العسكري أكثر هدوءاً من المتوقع، على الرغم من توقف المدمرة الأميركية (USS Donald Cook) أياماً عدة قبالة سواحل طرطوس. أخبار كثيرة تتناقلها الصحف والمحطات العالمية عن إخلاء قواعد الفرق العسكرية في محيط دمشق، وتحرك الطائرات الحربية إلى قاعدة حميميم الروسية جنوب مدينة اللاذقية الساحلية. لكن الواقع الميداني لا يوحي بالخوف وباستنفار ضخم كما هو متداول في وسائل الإعلام الخليجية والعالمية أيضاً.

لا تسخّف المصادر العسكرية والميدانية من عمق التهديد الأميركي، غير أنها تنفي أي إجراءات تتعلق بإخلاء نقاط عسكرية بشكل تام، بل تسمي تحضيراتها توزيعاً للعتاد ونشره على مساحات متباعدة، بما يضمن سلامة القسم الأكبر منه في حال تعرُّض أي موقع عسكري لقصف محتمل. وتضيف أن الاهتمام الحالي منصبّ على ما يسمّى «الأمن الوقائي»، وهو ما تقوم به كل دولة عند تعرضها لأي تهديد خارجي، وفق بروتوكولاتها العسكرية. «في عام 2013 كنا وحدنا نجابه تهديد الضربة الأميركية، ولم يكن الحلفاء معنا بكل ثقلهم الميداني الحالي»، يعلّق أحد العسكريين على سؤال عن الخوف من تنفيذ التهديد الأميركي. ويضيف: «لا إجراءات استثنائية أبداً. نكذب إذ نقول إننا نجلس الآن في الخنادق مرتدين دروعنا وخوذاتنا، لكن هناك حالة من رفع الجاهزية، تتضمن استعدادنا للتحرك نحو مواقع أُخرى، في حال حدوث أي طارئ». ليس خافياً على العسكريين، في هذا السياق، الهدف الأميركي المتمثل بضرب مراكز القوة التي لا تزال في يد الدولة السورية، كالمطارات والقواعد العسكرية الكبرى، منعاً لتوسيع سيطرة «النظام» على مناطق جديدة، بعد طيّ ملف الغوطة الشرقية، والتحرك شمالاً نحو مناطق ريف حمص الشمالي مثلاً، أو حتى التوجه إلى شرق البلاد. حالة من الثقة تسود الأوساط العسكرية تجاه الحليف الروسي الذي «سيتمكن من ترجمة نصر الغوطة الأخير دولياً، ولن يسمح بسلب هذا المكسب من يد حليفه السوري».
تحرك المدمرة الأميركية، قبل أيام، من مرفأ لارنكا في قبرص، إلى قبالة شواطئ طرطوس، خيّم على الأوساط العسكرية، في بادئ الأمر، وسط انشغالات شعبية بملف مختطفي دوما المفجع.
وإذ يُعَدّ مطار الضمير العسكري، شمال شرق دمشق، أبرز الأهداف المتداولة، بوصفه المطار الذي انطلقت منه المقاتلات لشن هجماتها على مدينة دوما، فإن للعسكريين السوريين قراءاتهم حيال بنك الأهداف المحتمل. يتوقع أحد الضباط العاملين ميدانياً منذ بدايات الحرب القائمة، ضرب نقاط قريبة من مناطق المسلحين، ما يسمح لهؤلاء بإعادة الانتشار في مناطق جديدة، بما يكفل استمرار التصعيد الميداني على الأراضي السورية. يضيف: «هذا حدث في تجارب سابقة مع الأميركي. وكان تنظيم داعش أبرز المستفيدين من الضربة». ويرى أن سيطرة «داعش» على مساحة صحراوية واسعة نسبياً تمتد بين ريف حمص الشرقي والبوكمال يحدد احتمالات الأهداف الأميركية المرتقبة لقوات الجيش في محيط مدينة الرقة وعلى طول نهر الفرات. ويستبعد الاشتباك الأميركي المباشر مع روسيا، غير أنه لا ينفي احتمال ضرب قوات تتبع لروسيا، أو تأتمر بإدارتها.