بغداد | ثمّة خوفٌ مخيّمٌ على الكتل والأحزاب والكيانات الصغيرة في العراق. فاستعداداتها لخوض الانتخابات البرلمانية في 12 أيّار المقبل تشي بحالةٍ من التخبّط والضياع، خاصّةً إذا ما قوربت من عوامل عدّة تؤكّد عدم حدوث أي تغييرٍ (كمّاً/ نوعاً) في الخارطة السياسية، ذلك أن الدورة الانتخابية المرتقبة ليست سوى ميدان «تحديد حجم القوى الكبرى» بوصف العارفين، أكثر مما هي تكريسٌ لدور القوى السياسية الكلاسيكية في المشهد السياسي من جهة، أو ظهور كيانات أو كتلٍ برلمانية بعيدة عن المناخات الطائفية الحاكمة في بلادٍ خبرت معنى الاقتتال الطائفي في الميدان قبل السياسة. أوّل تلك العوامل التي تثير مخاوف «الصغار» هي القاسم الانتخابي، والذي أقرّه البرلمان بعد طول صراع بين الكتل المختلفة. ومع اعتماد قانون «سانت ليغو المعدّل» وبحاصلٍ انتخابي 1.7 بدلاً عن 1.9 الذي اعتمد في الدورة السابقة، فإن تراجع تمثيل «الصغار» بات أمراً شبه مؤكّد، الأمر الذي يُلاحظ في الصور واللافتات الانتخابية، المنتشرة في معظم شوارع مدن العراق وقراه، مع انقراض صور المرشحين المستقلين الذين يخوضون الانتخابات بصورةٍ منفردة.

وتشير النائبة عن «التحالف الوطني» نهلة الهبابي، في حديثها إلى «الأخبار»، إلى أن «تصويت البرلمان على القاسم الانتخابي 1.7 يخدم الكتل الكبيرة، التي تتمتع بقاعدة جماهيرية»، لافتةً إلى أن «مستقبل مرشحي الكتل الصغيرة بات مهدّداً في الدورة المرتقبة». أما عضو «اللجنة القانونيـة» في مجلس النيابي، سليم شوقي، فقد أكّد لـ«الأخبار» أن القاسم 1.7 أو أيّ نسبة كانت، لن يؤثّر على نتائج الانتخابات، قائلاً: «سواء اعتمدنا نسبة 1.4 (سعت الكتل الصغيرة، بقيادة «التيّار الصدري»، إلى اعتماد هذا القاسم لقدرته على إحداث خروقات بارزة في التركيبة النيابية) أو 1.7 (الحالية) أو 1.9 للقاسم الانتخابي، فإن ذلك لن يؤثر على أيّ كتلة سياسية، صغيرة كانت أو كبيرة». وأضاف أن «المقاعد ستوزّع بحسب عدد الأصوات الفعلية».

وجد «الصغار» أنفسهم سائرين بشكلٍ طوعي للانضمام إلى «ائتلافات الكبار»


ووفق معلومات «الأخبار»، فإن القاسم 1.7 جاء نتيجة مشاورات بين قادة الكتل السياسية الكبرى في البلاد، حيث أسهم «التحالف الوطني» (الذي يضم الكتل النيابية الشيعية) إلى جانب شخص نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي، ورئيس مجلس النواب سليم الجبوري، في بلورة هذا المقترح. وفي هذا السياق، ترى رئيسة كتلة «الحركة المدنية الوطنية» شروق العبايجي، أن «قانون 1.7 هو قانون مفتعل وما من وجود له في باقي دول العالم»، لافتةً في حديثها إلى «الأخبار» إلى أن «الكتل الكبيرة صوّتت على القانون وجيّرته لمصلحتها... باعتباره مؤثّراً بشكلٍ مباشر على طريقة تقسيم الأصوات، والفائض منها (أي الأصوات) يذهب لصالحها».
ثاني تلك العوامل، هو هشاشة التحالفات الانتخابية، التي ترسم «خارطة طريقٍ» للتحالفات النيابية، بالرغم من تعدّد قوائم البيوتات الطائفية في البلاد. فبالرغم من مصادقة «المفوضية العليا المستقلة للانتخابات» على التحالفات، ثمّة هشاشة واضحة في طبيعة تركيبة «الائتلافات» ــ التي جاء بعضها نتيجة تأثيرات خارجية ــ، إذ وجد «الصغار» أنفسهم سائرين بشكلٍ طوعي للانضمام إلى «ائتلافات الكبار»، أملاً بنيل مقعدٍ واحد ــ على مستوى العراق، وليس المحافظات ــ نظراً إلى قوّة الماكينات الانتخابية للأحزاب الكبيرة بالدرجة الأولى، والحصول على بعض أصوات ناخبيها إثر تجيير بعض أصواتهم. ويقود هذا الحديث إلى ضرورة الإشارة إلى أمرين أساسيين؛ الأوّل، ضعف مصادر التمويل لهذه الكتل (أكان تمويلاً ذاتياً أم خارجياً). هذه النقطة، تحديداً، صارت «شمّاعةً» لتلك الكتل. وعند سؤال عددٍ من كوادرها المختلفة، عن أسباب إخفاقاتهم في تعزيز التواصل مع الناس، فإن الردّ يأتي سريعاً «ماكو فلوس» (لا يوجد مال لدينا). أما الأمر الثاني، فيمكن اختصاره بـ«فتوّة» تلك القوى، مقارنةً بالقوى الكبرى في البلاد. فالعمل السياسي عند بعض قادة تلك الأحزاب جاء نتيجة الترف الاقتصاديّ المعيش إلى جانب طموح بتبوّء مركزٍ رسمي، ما يعزّز حضور هؤلاء في العملية الاقتصادية، وإما نتيجة انشقاقٍ عن الكتل الكبيرة بدعمٍ وتوجيهٍ خارجي.
أما العامل الثالث، فيكمن في رؤية الحكم السائدة لدى الأحزاب الكبيرة، أو الكلاسيكية المتصدّرة للمشهد السياسي. وإن كان الساسة العراقيون يؤكّدون ضرورة التنوّع والتعدّد، إلا أنهم «يلتفون» على هذا الطرح، بالقول إن «البلاد لا تحكم من التكنوقراط المستقل، أو من أحزابٍ صغيرة... فالكتل الكبيرة مسؤوليتها التصدي للحكم، أما تلك الصغيرة فعليها اللحاق بها»، يقول مصدرٌ سياسيٌّ بارز، متسائلاً في حديثه إلى «الأخبار»، «كيف لمجموعة/ات صغيرة أن تحكم الجميع؟ ألا يقود ذلك إلى تعطيل عمل مؤسسات الدولة، إذا لم تلقَ تجاوباً منّا».



الهبابي: «الفتح» حاضرٌ ومؤثّر
في حديثها إلى «الأخبار»، تبدي النائب عن «التحالف الوطني» نهلة الهبابي تخوّفها من خسارة الأحزاب المدعومة من إيران منصب رئاسة الوزراء، إثر تشظّي «التحالف»، وتفرّق مكوّناته وانقسامهم إلى أكثر من أربع قوائم، أبرزها «الفتح»، و«النصر»، و«دولة القانون»، و«سائرون». ورغم ذلك الخوف، تعرب الهبابي عن أملها بتحقيق «ائتلاف الفتح» (بزعامة أمين عام «منظمة بدر» هادي العامري) نتائج طيبة في الانتخابات المقبلة، إثر ترشيحهم لـ«شخصيات معروفة، وذات تأثيرٍ في الشارع العراقي». ويشاطر الهبابي خوفها، ولكن من نوعٍ آخر، النائب عن «الحزب الديموقراطي الكردستاني» أشواق الجاف، التي تحذّر من ذهاب أصواتها إلى قوميات أخرى كما حصل في انتخابات 2014، ومردُّ ذلك «القانون الانتخابي».