تونس | يوم الأربعاء الماضي، وقف يوسف الشاهد أمام من يُمكن وصفهم بـ«حكماء قرطاج»، أي الموقّعين على العقد السياسي الذي يجمع منذ صيف 2016 الأحزاب الحاكمة والمنظمات المهنية حول «أهداف المرحلة المقبلة» وانبثقت منه الحكومة الحالية، وأمام نواب البرلمان ومنظمات مهنيّة وخبراء وحضور واسع من مستثمرين ومختصين في الاقتصاد وإعلاميين، للحديث عن «الإصلاحات الكبرى» المرتكزة على سبعة محاور: المنظومة الجبائية، منظومة تمويل الاقتصاد، منظومة الدعم، الوظيفة العمومية والمؤسسات والمنشآت العمومية، الصناديق الاجتماعية، وتحديث الإدارة (راجع الكادر أدناه).

وفق رؤية الحكومة التونسية، تُعدُّ هذه التغييرات الاقتصادية بمثابة السبيل الأنجع لتحقيق الرخاء الاقتصادي، بيد أنّها تُواجَه بالرفض والتحفظ من قبل الشريك الاجتماعي الأول على المستوى الوطني، وهو «اتحاد الشغل» الذي امتنع عن حضور «الندوة الوطنية للإصلاحات الكبرى»، مشيراً إلى أنّها في الأصل «تُشوِّش على وثيقة قرطاج» و«لجنة التقييم» المنبثقة من الاجتماعات الأخيرة لمكوناتها، والتي قد يكون من شأن نتائج أعمالها تغيير هذه الحكومة.
جدير بالذكر، أنّ العلاقات بين «اتحاد الشغل» والحكومة الحالية ما انفكت توتراتها تتصاعد، على خلفية رفض المنظمة النقابية التوجه الداعي إلى خصخصة بعض المؤسسات العمومية وبيعها تحت شعار «الإصلاحات»، فيما أعلن الطبوبي قبل أسابيع قليلة أنّ «تونس ليست للبيع»، متوجهاً إلى رئيس الحكومة، بالقول: «أنت اخترت المعركة، ونحن لها».
وفق هذه الخلفية التي تضع الصراع بين الطرفين في خانة الاختلاف بشأن رؤية كل طرف للدولة ولدورها الاجتماعي، ردّ الشاهد في ندوة يوم الأربعاء، قائلاً: «ليس للحكومة مشروع إيديولوجي قائم على التفويت (البيع) في المؤسسات العمومية أو خصخصتها»، مضيفاً أنّ «برنامج إصلاح المؤسسات العمومية يقوم على رؤية كاملة تضمن حقوق العمال والموظفين وتحافظ على مردودية مالية إيجابية لفائدة المجموعة الوطنية». ولم يُبدِ الشاهد أيّ لين في الرد على الطبوبي، الذي لا يزال متمسكاً بمطلب إعفاء رئيس الحكومة من مهماته.
وما قد يعزز موقف «الاتحاد» أنّ المعارضة السياسية توحدت بدورها حول موقف مشكك في جدية هذه «الإصلاحات» ونجاعتها. وفي حديث إلى «الأخبار»، يرى القيادي في «الجبهة الشعبية» جيلاني الهمامي، أنّ «هذه الإصلاحات ليست خياراً بقدر ما هي تنفيذ لإملاءات المنظمات المانحة بعدما عمّقت حكومات الائتلاف الحاكم الحالي ارتهان البلاد لها».

المسار الذي يتّبعه الشاهد يعكس الارتباط العضوي مع «صندوق النقد»


هذا الصراع الدائر بين الطرفين، يصفه في حديث إلى «الأخبار» الباحث التونسي حمزة المؤدب، بأنّه «لعبة بثلاثة رؤوس، جميعها تتطلع إلى انتخابات 2019» التشريعية والرئاسية، ويفسّر ذلك بأنّ «الإصلاحات الكبرى» تتموقع وسط رهانين، الأول اقتصادي، فيما الثاني سياسي محض. وفي هذا الصدد، يشرح المؤدب أنّ الندوة الأخيرة مكنت الشاهد «من ضرب عصفورين بحجر واحد»، موضحاً أنّ «الحكومة أرادت أن تبعث برسالة إلى الخارج (لشركاء تونس الدوليين وصندوق النقد) بأنّها ملتزمة ملف الإصلاحات، وبالتالي أن تُحرِج الأحزاب السياسية والشركاء الاجتماعيين، خاصةً اتحاد الشغل المُصرّ على تغييرها، وذلك من خلال القول إنّ هولاء يمنعونها من القيام بهذه الإصلاحات إما بالامتناع عن الدعم أو بالسعي إلى إسقاطها... والواقع أنّ هذه الندوة التي أُنجِزَت على عجل هي مناورة من الحكومة للبقاء ولرفع كلفة التخلي عنها وتعويضها».

سقوف مرتفعة
ليس الشاهد أوّل رئيس حكومة تونسية يطلب قروضاً من «صندوق النقد»، بل إنّ القرض الحالي المرتبط بـ«إجراء إصلاحات» كان قد جرى التوصل إليه قبل توليه رئاسة الحكومة في صيف 2016 خلفاً لحبيب الصيد، بنحو ثلاثة أشهر. إلا أنّ وصول الشاهد إلى رئاسة الحكومة في ذلك الوقت، أطلق مسار «الإصلاحات» التي «تمسّ اتحاد الشغل مباشرةً»، وفق حمزة المؤدب، وهي تشمل «إصلاح منظومة الدعم التي ستتضرر منها الطبقات الوسطى، إذ إنّ كلّ ما يُروّج له عن توجيه الدعم لمستحقيه يستهدف في جزء منه هذه الطبقة».
برغم أنّ من بين هذه التوجهات «تصحيح» أوضاع صناديق اجتماعية «خاسرة»، كما تقول الحكومة، إلا أنّ مجمل المسار «الإصلاحي» الذي يتّبعه الشاهد يعكس بوضوح الارتباط العضوي بين حكومته و«إصلاحات صندوق النقد الهيكلية» الذي قد يُمثِّلُ في ظلّ النظام الاقتصادي العالمي القائم «فرعون» هذا الزمان، وقاتل مفهوم الدولة الاجتماعية بفتاويه عن سبعِ بقراتٍ عجاف ستأكُلُهُنَّ سبْعٌ سِمان.
في المقابل، السقوف المرتفعة للشاهد الذي قال في كلمته إنّ «الإصلاحات (الهيكلية) ليست خياراً، بل ضرورة»، مشيراً إلى أنّ «مصلحة البلاد لا تتحمل تأخيرها أكثر من ذلك»، قد لا تصمد، لأسباب من بينها أنّ تمسك حزبه (نداء تونس) به يبدو في بعض الأحيان هشاً، برغم المساندة البادية حالياً من قبل رئيس الجمهورية، وهو زعيم هذا الحزب، فضلاً عن أنّ الرجل لا يملك مسيرة سياسية حافلة. فصاحب الـ43 عاماً دخل غمار السياسة إبّان الثورة التونسية عام 2011 بانضمامه إلى صفوف «الحزب الجمهوري» (أي الحزب الديموقراطي التقدمي سابقاً)، وسرعان ما التحق بـ«نداء تونس» بُعيد تشكيله من قبل الباجي قائد السبسي وثلة من القيادات السياسية. وحين تقلد هذا الحزب مقاليد الحكم كأوّل كتلة نيابية في البرلمان، وفاز بالرئاسة نهاية عام 2014، لم يكن الشاهد في الصفوف الأولى، بل عرفه التونسيون كـ«كاتب دولة» في حكومة الحبيب الصيد، ثمّ كوزير للشؤون المحلية، فيما قدّمه قائد السبسي في أواخر سنة 2015 كصاحب الحلّ لرأب الصدع الواقع في حينه داخل «النداء». في ذلك الوقت، ترأس «لجنة الثلاثة عشر»، غير أنّه لم يُوفَّق في مسعاه، فانقسم الحزب وانبثق منه حزب «مشروع تونس»، ما أفقد «النداء» ثلث نوابه وجعله يتراجع للمرتبة الثانية على المستوى النيابي خلف «حركة النهضة».

أوراق «النيوليبرالية»
ضمن المشهد التونسي الحالي، «دقّت ساعة الحقيقة الاقتصادية، وإمكانية القيام بإصلاحات اقتصادية مكلفة جداً وسط وضع سياسي هش ومسار ديموقراطي قد ينهار إذا ما اضطر الاتحاد إلى النزول للشارع وتحريك قواعده»، يقول المؤدب. وبينما يبدو الشاهد مدركاً لصعوبة نجاحه في مواجهة كهذه مع «الاتحاد»، وفي إطلاق «الإصلاحات» التي يقول الجيلاني الهمامي إنّه «لا مجال للحديث عنها قبل حوار حقيقي لتشخيص الوضع وقراءته والبحث عن حلول تدعم الاقتصاد الوطني وتقوي انتاجيته»، فإنّه يناور ويريد إثبات أنّه «رجل الإصلاحات»، وبالتالي حتى إذا جرى التخلي عنه، فسيستعمل ذلك كورقة لمواصلة طموحه السياسي.
من بين الأوراق التي قد يمتلكها الشاهد في معركته الحالية، نجاحه منذ توليه الحكومة في صوغ صورة «رجل دولة شجاع يُحارب الفساد والفاسدين ويسعى إلى إدخال إصلاحات اقتصادية واجتماعية، ويتحدى أحياناً إرادة السبسي الأب والابن معاً، واتحاد الشغل وخصومه السياسيين»، كما يقول عدد من المتابعين. وهو أيضاً برغم إخفاقات حكومته، قدّم نفسه صديقاً للشباب، إذ خاطبهم عبر المجال الافتراضي ووعدهم بنشرة شهرية لعمل حكومته عبر موقع «فايسبوك»، وطوّر سياسته الاتصالية ليبرز صورة المُصلح الشجاع الذي يُصرُّ «إخوته» على رميه في البئر وإنهائه.
أكثر من ذلك، حتى لو انكسر الرجل في المعارك الآتية مع رافضي إصلاحاته، فإنّه يكون قد نجح في تكريس صورته كرجل «دولة الحوكمة» وفق كاتالوغات الفكر «النيوليبرالي» المهيمن على المؤسسات الدولية، الذي إذا ما طُبِّقَت مبادئه شيئاً فشيئاً في تونس، وحُسِّن، فإنّه لا يُهيكل «الاقتصاد» فحسب، بل مجمل المجتمع وتصوراته. وبذلك، حتى لو خسر الشاهد معركته الحالية، فإنّه سيكون قريباً أحد وجوه تونس المسرعة نحو مجتمع جديد في ما بعد الثورة.



جبايات... ورئاسيات

يوم الأربعاء، لم تتضمن كلمة رئيس الحكومة، خلال الندوة، إلا رسائل وردوداً على خصومه، مشدداً على أن «تمسك الحكومة بوثيقة قرطاج أمر مفروغ منه».
وبخصوص مسألة «الإصلاح الجبائي»، اعتبر الشاهد الذي باتت نياته لدخول معترك «رئاسيات 2019» تطفو على السطح، أنّ ظاهرة التهرب الجبائي تُعدُّ «من أخطر عمليات الفساد التي تهدد سلامة مناخ الاعمال في البلاد وتشكل خطراً على الموازنات العمومية والحياة السياسية والاجتماعية». وشدد على «ضرورة الإصلاح في إطار رؤية للعدالة الاجتماعية، مبنية على الاستقرار الجبائي وضمن توجه يضمن مساهمة الجميع بشكل منصف، وتدارك الفساد الذي طال منظومة الدعم التي يتمتع بها من لا يستحقها ويصل نزر قليل منها الى الفقراء وتكلّف الدولة 1570 مليون دينار (نحو 500 مليون دولار أميركي)».
إلا أنّ الجيلاني الهمامي (الصورة)، يقول في سياق حديثه إلى «الأخبار»: «لا حلول ترتكز على الجباية واستنزاف دافع الضرائب أو التقليص في الدعم الموجه لسائر التونسيين، خاصة في ظل وضع يتّسم بغلاء المعيشة وارتفاع الأسعار وتضخّم قيمة الدينار».