لفّ الغموض أمس مصير «قائد الجيش الوطني الليبي» المشير خليفة حفتر، الذي بات من المؤكد أنّه في باريس حيث يتلقى علاجه من «جلطة» أصابته، كما تقول مصادر عدة. وعلى الرغم من أنّ هذا الغموض متواصل منذ يوم الثلاثاء، إلا أنّ اللافت أمس، تمثّل في توزيع أجهزة أمنية مصرية خبر «وفاة حفتر» على الإعلاميين المقربين، قبل أن تتراجع بعد نحو نصف ساعة. أحد الإعلاميين المصريين الذين سارعوا إلى نشر الخبر عبر موقع «تويتر»، عاد ليتراجع عنه، فيما اضطرت مواقع صحف مصرية قريبة من النظام إلى نشر تقارير مساءً، تتحدث عن «التفاصيل الكاملة حول حالة حفتر... الذي يجري فحوصات طبية في فرنسا، وسيعود إلى الأراضي الليبية خلال أيام».

حالة الغموض استمرت حتى منتصف الليل، أي في الوقت الذي نشرت فيه بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا خبراً أشار إلى أنّ اتصالاً جرى بين الممثل الخاص للأمين العام غسان سلامة والمشير خليفة حفتر «تطرقا خلاله إلى البحث في الأوضاع العامة في البلاد والتطورات السياسية المستجدة على الساحة الليبية» (راجع الكادر أدناه).

بانتظار المعجزة؟
على امتداد سنوات سطوع نجم خليفة حفتر، تحديداً منذ إعلانه «عمليّة الكرامة» في شرق ليبيا عام 2014، تصرّف الماريشال حفتر على نحو يوحي بأنّه يؤسس لمشروع مستقبليّ شخصيّ، لكن يبدو أنّ الرياح تجري فعلاً كما لم تشتهِ سفنه. فبين القول بإصابته بجلطة دماغيّة، أو أزمة بالرئة، صار مؤكداً أمس أنّ الرجل أصابه داء يمنعه من الظهور، إلا إذا صارت معجزة غيّرت مجرى تلك الرياح. وبخلاف رسائل مُفترضة نقلها عبر عدد من القريبين منه، لم يأتِ فيها التصريح بمكان إقامته أو تفاصيل عن وضعه الصحيّ، لا توجد أخبار أخرى كثيرة.
يوم الأربعاء، وفي مؤتمر صحافيّ، دعا أحمد المسماري، وهو المتحدث باسم القوات التي يقودها حفتر، عموم الليبيّين إلى «عدم الانجرار وراء الشائعات» التي رأى أنّ من يروّجها هم «قطر وتركيا وداعش والإخوان... بعد خسارتهم المعركة الأمنيّة والعسكريّة». ولإظهار فريقه في حال قوّة، لم يكتف المسماري بنفي «الشائعات»، بل سعى إلى تحويل الاهتمام نحو المستجدات العسكريّة، وهي الضلع الذي بَنى عليه حفتر المجد، فتحدّث عن التطورات في مدينة درنة التي بدأت محاولات اختراقها عسكريّاً بعد حشد عسكريّ دام لأسابيع، وبعد حصار مضروب عليها منذ ثلاثة أعوام، برعاية مصرية مباشرة.
في التصريحات، لم يفُت المسماري ذكر مصر، فقال إنّهم على تواصل معها «لأنّ ما يحدث في المنطقة الشرقيّة يؤثر على أمنها». لكن يبدو أنّ هذا الاستحضار للدعم والتنسيق الإقليميّ جزءٌ من سياسة إظهار القوّة، التي تشمل أيضاً ما جاء في صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية أمس، التي سردت نقلاً عن مصادر لم تذكر أسماءها رواية مخالفة للأحداث، مفادها أنّ حفتر لم ينتقل من الأردن إلى باريس للتداوي، بل «زار القاهرة منذ عشرة أيام والتقى فيها بوجوه سياسيّة وعسكريّة عالية المستوى، ثمّ توجّه إلى باريس استجابة لدعوة الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون».

استغلت سلطات غرب البلاد فرصة غياب «الرجل القوي» لاقتراح صفقة


في حديث إلى «الأخبار»، لم يرد الباحث في الشؤون الليبيّة جلال حرشاوي الخوض في نقاش صحة ما حصل لحفتر، بل فضّل تناول آثار الخبر نفسه، قائلاً «حتى لو كانت الشائعات خاطئة، فقد تعرضت صورة محور حفتر لضرر كبير في الأيام الماضية». ويضيف: «يوجد أمر واحد مؤكد، وهو أنّ «القائد» وُلِد عام 1943، وعلى عكس بقيّة القادة العرب الطاعنين في السنّ، يعيش بلد حفتر حرباً... لذلك، أدرك الآن أحد طرفي الصراع الليبيّ أنّ زعيمه كبير السنّ، وهو لا يملك تصوراً واضحاً لما سيحصل بعده، (خاصة أنّ) مسألة الخلافة هذه حسّاسة ومهمّة، لأنّ معسكر حفتر منقسم بشكل عميق».
لعلّ اللافت في الأثناء، أنّه وسط إنكار رسميّ مستمر من قبل سلطات شرق ليبيا، وتأكيد وسائل إعلام فرنسيّة الخبر نقلاً عن مصادر مختلفة، استغلت سلطات غرب البلاد فرصة غياب «الرجل القويّ» لاقتراح إجراء صفقة سياسيّة تحرّك المسار السياسي في البلاد، في وقت تعمل فيه القوى الإقليميّة الداعمة لحفتر على إيجاد بديل له، وفق ما رشح من أخبار. هذا مع العلم بأنّ الصحافي الفرنسي هوغو فنسان نقل عن «مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى» أنّ حفتر نُقِل إلى باريس «منذ الخامس من الشهر الجاري»، أي قبل ستة أيام من انتشار الخبر إعلامياً.

«بُقعة ضوء»؟
بمجرد تزعزع حضور خليفة حفتر في ليبيا، بدا كما لو أنّ الخلافات السياسيّة بين فرقاء الشرق والغرب بدأت بالتحلحل. لفهم الأمر يجب قراءته على ضوء موقف الرجل وغرمائه من المصالحة وتوحيد الجهازين السياسيّ والعسكريّ. المسألة باختصار هي أنّ تطوّر مسارات «عمليّة الكرامة» التي أطلقها حفتر لمواجهة «الإرهاب»، كانت (فضلاً عن أنّها خروج على السلطات) تبث شكوكاً لدى الجماعات السياسيّة والعسكريّة في غرب البلاد، خاصّة أنّ الرجل يكنّ عداءً واضحاً لـ«الإخوان المسلمين»، واختار موقعاً له ضمن المحور الإماراتيّ المصري. وفي المدة الأخيرة، في الجلسة السادسة لحوارات توحيد الجيش، التي عُقدت جميعها في القاهرة، بدا واضحاً أنّ المعارضة من الجهة الغربيّة تتركز أساساً حول رفض توليه مقاليد الجيش الموحّد.
لذلك، مثّل غياب حفتر فرصة جيّدة لاستئناف المشاورات التي بدأت أول من أمس، من خلال توجيه خالد المشري، الذي انتُخِب منذ ستة أيام على رأس «المجلس الأعلى للدولة»، دعوة لرئيس البرلمان (شرق) عقيلة صالح، يحثّه فيها على لقائه «لإنهاء الانقسام وإجراء جلسة حواريّة». وعبّر المشري المنتمي إلى «حزب العدالة والبناء» (الإخوانيّ)، عن استعداد مجلسه لـ«تقديم تنازلات» تفضي إلى «تحقيق العدالة والتداول السلميّ على السلطة».
وفي حين عبّر المتحدث باسم برلمان الشرق عن ترحيبه بالدعوة، تسرّبت أخبار عن «طبخة إقليميّة» تسير في اتجاه الحفاظ على الوضع القائم. في هذا الصدد، قالت قناة «النبأ» الليبيّة، أول من أمس، نقلاً عن مسؤول رفيع المستوى يعمل في وزارة الخارجيّة التابعة لحكومة الشرق (غير معترف بها دوليّاً)، أنّ الإمارات بصدد إجراء مباحثات مع مصر، يحضرها أيضاً عسكريون ووجهاء من قبيلة الفرجان (التي ينتمي إليها حفتر)، لاختيار شخصيّة بديلة تواصل قيادة المسار المتّبع في الشرق. وفيما رجّح المصدر توسيع المباحثات مستقبلاً لتشمل وفوداً أخرى من ليبيا، اعتبر أنّ قائمة البدلاء تشمل شخصيتين، عبد الرزاق الناظوري، وهو رئيس أركان قوات حفتر، وعون الفرجاني مدير مكتبه وابن عمّه. (يُشار إلى أنّ الناظوري نفى أمس أنباء صدور قرار تكليفه بمهام القائد العام للقوات المسلحة خلفاً لحفتر، فيما دعا المتحدث باسمه إلى «عدم الانجراف وراء الشائعات والأخبار الكاذبة التي يقوم بترويجها الخونة وأعداء الوطن».
بالنسبة إلى جلال حرشاوي، فإنّ كلّ هذه الأخبار عن «التنافسات الداخليّة» التي ما زال الجزء الأكبر منها لم يظهر بعد، قلبت المشهد الليبيّ رأساً على عقب. وهو يقول في حديثه إلى «الأخبار»: «على امتداد السنة الماضية، كان المشهد في القسم الغربيّ يُعتبر إشكاليّاً، فيما المشهد في القسم الشرقيّ شبه محسوم. اليوم، وبشكل مفارق، صار الأمر شبه معكوس، وقد فتحت الشائعات أعيننا على هذه الحقيقة، وهي بالتأكيد صائبة، بصرف النظر عمّا سيحصل لاحقاً».



ملخص «الشائعات»

منذ عصر يوم أمس، انتشرت أخبار حول وفاة خليفة حفتر، وقد بدأت بإطلاقها مواقع ليبيّة ناطقة بالانكليزيّة، ووصلت حدّ تأكيد الخبر من طرف النائب في البرلمان المصري مصطفى بكري. بعد سريان الخبر، نُشرت صور على «تويتر» لعشرات الناس يُفترض أنهم في صدد «الاحتفال بالوفاة» في «ميدان الشهداء» بطرابلس. ويبدو أن النطاق الواسع لانتشار «المعلومة» أدى إلى تدخل المبعوث الخاص للأمم المتحدة غسان سلامة. وبالحديث عن المتغيرات «الآتية»، كتب رئيس تحرير «المتوسط» الليبية القريبة من السلطات الشرقية: «لسنا في 2011... تغيرنا وتغيرت الظروف»، فيما كتب أحد الباحثين الغربيين المتابعين عن قرب للملف الليبي: «إذا عاش حفتر، واستعاد القيادة، فهو وحلفاؤه لن ينسوا مظاهرات طرابلس».