«المهمة أُنجزت». كان ذلك التصريح الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فور انتهاء الضربة العسكرية بمشاركة فرنسية وبريطانية لمواقع سورية، داعياً إلى طرح تساؤلات جوهرية: أيّ مهمة؟ ولأيّ أهداف؟ وكيف أُنجِزت؟ وماذا يترتب عليها من نتائج وتداعيات؟

باليقين، لم يترتب على الضربة الثلاثية أي تغيير في موازين القوى السياسية والعسكرية. هذه هزيمة بذاتها. كما أنّها كشفت غياب أيّ استراتيجية غربية عن شيء من التماسك في إدارة الأزمة السورية. هذه حالة انكشاف.
بالتعريف، فإنّ الجهاز العصبي لأيّ دولة هو مركز صنع القرار السياسي فيها ومدى قدرته على الاستجابة للتحديات والمخاطر بأكبر قدر ممكن من وضوح الأهداف والاستراتيجيات. إذا اختل الجهاز العصبي ارتبكت السياسات والمواقف على نحو يُقوِّض أيّ هيبة ويستدعي كل رثاء. وهذه حالة إدارة ترامب.
تفلّت في الأعصاب وفوضى في التصريحات داخل مركز صنع القرار على نحو غير مسبوق في التاريخ الأميركي.
على خلفية اتهام، لا يوجد دليل عليه للنظام السوري باستخدام غاز أعصاب محرّم دولياً في مدينة دوما بالغوطة الشرقية، حمّل ترامب موسكو المسؤولية وصعّد من نبرة المواجهة العسكرية معها: «استعدّي يا روسيا الصواريخ قادمة، وستكون جميلة وحديثة وذكية».
كانت تلك التدوينة القصيرة أقرب إلى إعلان حرب على روسيا قبل استبيان الحقيقة من تقرير مبعوثي منظمة «حظر الأسلحة الكيميائية» إلى موقع الحدث.
لم يكن أحد في العالم مستعدّاً أن يتحمل مخاطرة الانجراف إلى مواجهة عسكرية قد تفلت من أيّ قيود بين أكبر قوتين عسكريتين في العالم. في تدوينة قصيرة أخرى كتب: «علاقاتنا مع روسيا الآن أسوأ من أي وقت مضى بما في ذلك أثناء الحرب الباردة دون أن يكون هناك مبرر».
حجم التناقض يستعصي على الفهم ويحتاج إلى مختصّين في علم النفس لا متخصصين في التحليل السياسي.
كيف وصلت العلاقات الأميركية الروسية إلى هذه الدرجة من السوء؟ إذا لم يكن هناك مبرر فمَن يتحمّل المسؤولية؟
بتعبير الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر: «على واشنطن ألا تبالغ في تحديها لموسكو». لم يكن ذلك رأي كارتر وحده، فجنرالات «البنتاغون» حاولوا بقدر ما هو ممكن «فرملة» جموح رئيس عشوائي خشية صدام قد تندفع إليه الحوادث بغير تبصّر، وفق ما كشفت تسريبات صحيفة «وول ستريت جورنال» عن اجتماع مجلس الأمن القومي الأميركي.
كان مثيراً دعوة ذلك المجلس للاجتماع بعد تصريحات الرئيس لا قبلها للبحث في البدائل العسكرية والسياسية الممكنة. عندما أطلق تصريحاته وتدويناته لم تكن لديه أيّ إجابات عن أسئلة أساسية: ما حجم الضربات الصاروخية؟ وما الأهداف المقصودة سياسياً وماذا يترتب عليها؟
بدا الجهاز العصبي لمركز صناعة القرار الأميركي على حال رئيسه، الذي يعاني من تدهور في بنية إدارته إثر الإقالات والاستقالات المتتالية والفضائح والتسريبات والتحقيقات التي تحاصره، حتى إنه وصمها بـ«الفساد» في تدوينة واحدة مع اتهام النظام السوري باستخدام أسلحة كيميائية.
ما علاقة تلك التحقيقات، التي وصلت إلى مرحلة متقدمة، بالأزمة السورية وخطط توجيه ضربات صاروخية؟ ما دخل مداهمة الـ«إف بي آي» بإذن قضائي لمكتب محاميه بحثاً عن أوراق ومستندات قد تُدينه بأزمات الإقليم المتفاقمة؟ وما الصلة التي تجمع الرئيس السوري بشار الأسد، بالمحقق الخاص روبرت ميلر، في التدخل الروسي المرجح بالانتخابات الأميركية، التي صعدت به إلى البيت الأبيض؟
إنّه ترامب ولعبة خلط الأوراق. قبل الأزمة مباشرة أعلن دون استشارة أحد، أو رجوع لأيّ جهة سياسية وعسكرية واستخباراتية، أنّ القوات الأميركية سوف تنسحب من سوريا في وقت قريب، لكنه تحت الضغوط تراجع عما أعلنه وأحال مشروع الانسحاب إلى وقت آخر لم يحدده.
من مشروع الانسحاب الكامل إلى مشروع التدخل الواسع يبدو السؤال مشروعاً: على أي أساس استراتيجي يبني ترامب مواقفه ويصدر تصريحاته ويكتب تدويناته القصيرة على شبكة التواصل الاجتماعي؟
نحن أمام فصل سياسي مقتطع من مسرح «اللا معقول» لخّصتْه تدوينة تقول نصاً: «لم أقل قط متى نشنّ هجوماً على سوريا... قد يكون في وقت قريب جداً أو غير قريب على الإطلاق». ماذا كان بوسع أي مراقب أن يفهم من هذا المستوى في التخبط؟! ما جرى من هجوم ثلاثي على سوريا جاء أقل مما كانت توحي به تصريحاته وتدويناته.
كانت اعتبارات حفظ ماء وجهه وراء ضربة رمزية ومحدودة لا تقع في محظور الاقتراب من أيّ مواقع روسية فيفلت الموقف المتأزّم من عقاله.
لم يكن البحث عن حقيقة ما جرى في دوما الموضوع الحقيقي للأزمة بقدر ما هو التنافس على النفوذ الدولي والضيق المتزايد من اتساع الدور الروسي في الشرق الأوسط.
بأيّ تقدير موضوعي يصعب تصديق أن يكون النظام السوري قد أقدم على استخدام أسلحة كيميائية في دوما، فقد حُسِمت المعركة عسكرياً وجرى الاتفاق النهائي من البوابة الروسية على إخلاء المدينة من المسلحين. وبأيّ تقدير موضوعي آخر، فإنّ هناك شبهات حول تدخّل ما لحرمان النظام السوري من جنى ثمار كسب معركة الغوطة.
دائرة الشبهات تضم بريطانيا، التي كانت وجّهت إلى موسكو في وقت سابق اتهاماً لا دليل عليه بمحاولة تسميم العميل الروسي المزدوج سيرغي سكريبال، وابنته بغاز أعصاب، وجرى تبادل طرد دبلوماسيين من الجانبين، بالفعل ورد الفعل، شمل دولاً غربية عدة.
هذه بيئة دولية مرشّحة باحتقاناتها لأي انفلات سلاح مفاجئ على مستوى لا يمكن تدارك أخطاره. باعتراف وزارة الدفاع الفرنسية فإنها أبلغت موسكو بالضربة الثلاثية قبل تحرّك الصواريخ والطائرات. ربما أرادت فرنسا أن تلعب بطريقة أخرى، تشارك في العدوان المسلح وتفتح بالوقت نفسه قناة حوار مع الكرملين بحثاً عن تسوية سياسية للأزمة السورية وفق «صيغة جنيف».
من الصعب، الآن، الحديث عن تسوية، فالضربة الثلاثية تكاد تكون قوضتها إلى أجل غير منظور، وأضعفت التحالف الغربي، والذين مولوها بداعي الانتقام.
عندما تصف المعارضة السورية في اسطنبول الضربة بالمهزلة، فالمعنى أن ردات الفعل سلبية للغاية داخل المعسكر الواحد. وعندما تتحدث عن ضرورة إنشاء هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحية تشارك فيها، فالمعنى أنها لا تدرك أن اللعبة انتهت. لا موازين القوى تسمح ولا الحلفاء الغربيون لديهم استراتيجية متماسكة.
على الجانب الآخر من الأزمة بدا الجهاز العصبي في الكرملين على قدر كبير من الثبات الانفعالي، حيث لم يتورط في أي تصعيد على مستوى رئاسي، ولا انخرط في ما يسمى بـ«دبلوماسية التدوينات القصيرة»، حتى يفسح لنفسه مساحات مناورة بوقت أزمة حرجة.
قبل إطلاق صاروخ واحد على مواقع سورية كانت الهزيمة قد أطلّت برأسها على التحالف الغربي.
التصعيد العشوائي هزيمة مؤكدة.
*كاتب وصحافي مصري