تتداخل التطورات والاستحقاقات في الساحة السورية والمنطقة عموماً، رغم أن البارز فيها ثلاثة تطورات متداخلة لا يمكن فصلها، ويغذي بعضها بعضاً: كباش روسي ــ أميركي انطلاقاً من سوريا وبذريعتها، حيث كانت الضربة الأميركية المحدودة، والهجمات الجوية الإسرائيلية على مطار التيفور السوري وترقب تداعياتها وما سيعقبها من ردود قد تفضي إلى تصعيد، والاستحقاق النووي الإيراني الشهر المقبل وإمكان إسقاطه أميركياً.

وإذا كان التوتر الروسي ــ الأميركي قد طغى على غيره من توترات المنطقة، فإن الحرب التي تحولت إلى صاخبة بين إيران وحلفائها من جهة، وإسرائيل من جهة ثانية، تنذر بتصعيد قد يخرج عن مألوف الساحة السورية خلال السنوات الماضية، ومن شأنه أن يستعيد صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي. وإذا كانت تل أبيب قد جازفت بناءً على رهان وتقدير إمكان اقتناص فرصة الكباش الأميركي ــ الروسي لتنفيذ اعتداءاتها، يصعب في الحالة الإيرانية فرض الإرادات عبر توجيه ضربة مهما كانت نتيجتها المادية المباشرة.
وعلى غرار السياسة الإسرائيلية المتبعة للساحة السورية في السنوات القليلة الماضية، والمتخذة ضمن الإمكان والظرف والقدرة الفعلية، ينجح العدو تكتيكياً في هجمات متفرقة خدمة لمصالحه وأهدافه، لكنه في المحصلة النهائية يخفق في تحقيق أهدافه الاستراتيجية. أمثلة الإخفاق لا تُحصَر في مثال واحد، سواء أكان نجاح الدولة السورية وحلفائها في الحرب التي أديرت ضدها بمعية الإسرائيليين، أم بالسلاح النوعي «الكاسر للتوازن» الممنوع أن يصل إلى حزب الله، وصولاً ــ دون حصر ــ إلى الوجود الإيراني في سوريا، المتمركز أساساً.
نجاح الدولة السورية في الصمود لا جدال في أنه نقيض للمصلحة وللسياسة الأمنية الإسرائيلية. كذلك رغم الهجمات، نجح حزب الله في تمرير ــ كما تقرّ إسرائيل نفسها عبر وزير الأمن الأسبق إيهود باراك صاحب عبارة «الكاسر للتوازن» ــ أكثر من 10 آلاف صاروخ سنوياً، الأمر الذي أوصل ترسانته في حدٍّ أدنى إلى ما يزيد على 150 ألفاً. ويشدد باراك نفسه على أن كل ما باتت تهدف إليه إسرائيل حالياً بعد تعذر فرض خطها الأحمر المانع بالمطلق لإمرار سلاح نوعي إلى الحزب هو «التقليل» من انزلاق الصواريخ الدقيقة إلى لبنان، وهو إقرار بالإخفاق بصورة تكاد تكون مباشرة.
في العام الماضي، أضافت إسرائيل إلى سلة الخطوط الحمراء المثقوبة خطاً أحمر جديداً هو الوجود العسكري الإيراني في الجنوب السوري. كان صعباً على تل أبيب فرض إرادتها، رغم أنها عملت وحرضت وأطلقت تهديدات على طريقة «أمسكوني وإلا فسأهدم الهيكل على من فيه». على خلفية هذا الفشل، يتساءل الخبراء الإسرائيليون، ومن بينهم ما ورد قبل أيام في صحيفة «هآرتس»: هل من الواقعي توقع تطبيق الخط الأحمر ضد التمركز الإيراني في جميع أنحاء سوريا، رغم فشل إسرائيل في منع هذا التمركز جنوباً بالقرب من الحدود في الجولان؟ وهل أسكرت النجاحات الإسرائيلية التكتيكية، صناع القرار لدينا؟
فرض الخطوط الحمراء عبر الاعتداءات يستلزم من إسرائيل عدم الاكتفاء بضربة أحادية، بغض النظر عن أهمية الضربة ومدى إيلامها. الاختبار الحقيقي والفعلي هو في «الاستمرار والصدقية»، أي شنّ اعتداءات جديدة ومتكررة، رغم أن أصل استمرار الاعتداءات يدفع الجانبين إلى تصعيد ومواجهة قتالية مباشرة تكاد تكون حتمية، وهي في الأساس خط أحمر لدى إسرائيل، أي إنها معضلة باتجاهين، تجهد تل أبيب للابتعاد عنها، رغم كل تهديداتها المتكررة.
في الأساس، تُعَدّ الضربة الإسرائيلية في التيفور تعبيراً أخيراً عن فشل رهانات تل أبيب في الساحة السورية، وتعبيراً عن تبدد الأمل الذي كان مستقراً لديها، في إمكان تبلور واقع سوري جديد متوافق مع مصالحها. سياق هذا الفشل لم يتبلور فقط في العام الأخير، وإن برز التهديد وتنامى خلاله، بل نتيجة سياقات الحرب نفسها وتطوراتها منذ عام 2011، وهو تعبير عن إخفاقات تركبت على إخفاقات سبقتها، وصولاً إلى تشكل التهديد الحالي الذي يُعَدّ جزءاً لا يتجزأ من انتصار الدولة السورية وحلفائها، وفي مقدمتهم إيران.
بالنسبة إلى إسرائيل، سيكون الوضع الذي تتجه إليه الأمور في الساحة السورية أكثر خطورة وتهديداً مما كان عليه حتى قبل الحرب، فالإمكانية مرتفعة لخلق جبهة أمامية في مواجهة إسرائيل مكملة لجبهة لبنان ومساندة لها، وهو ما يمكن تلمسه من التعبيرات الصادرة عن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن أفيغدور ليبرمان: الطوق الذي يلتف حول أعناقنا؛ وقوس التهديد الشمالي.

نزلت الخطوط الحمر إلى التشديد على منع وصول صواريخ دقيقة إلى لبنان


هذا الواقع التهديدي المتشكل الذي تتجه إليه الأمور بسرعة في سوريا وانطلاقاً منها يُعَدّ من ناحية تل أبيب، وهو كذلك، تهديداً جدياً لأمنها القومي، وقد لا تستطيع اختياراً التعايش معه، خاصة أن من يقف وراء تمدد محور المقاومة وتهديداته وتنامي قدراته وترسُّخ وجوده في الساحتين، هو إيران، العدو الأول لإسرائيل. وإذا كانت إسرائيل قد اعتمدت الصراخ والتحريض بداية لمنع وصدّ محور المقاومة في سوريا، تجاه الحليف الأميركي والصديق الروسي، فإنها أخفقت في الاتجاهين، كل لأسبابه وظروفه وقدرته الفعلية. وعمدت إسرائيل إلى تأليب الجانب الروسي، عبر رحلاتها المكوكية المتواصلة، السياسية والعسكرية والاستخبارية، كي تكون موسكو عامل كبح لإيران في سوريا، فيما حرضت واشنطن في محاولة منها لجرِّها إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران.
وإلى ما قبل الأزمة الأخيرة والكباش بين روسيا والولايات المتحدة، لم تكن واشنطن في رد المواجهة المباشرة مع محور المقاومة، لتداعيات لا يمكن حصرها، وهو ما أيقنته إسرائيل وترسخ في وعيها بعد الاعتداء الأميركي المحدود في سوريا الأسبوع الماضي. في المقابل، أيقنت أن الجانب الروسي لا يريد، بل لا يمكنه، بعد أن اقترب أكثر إلى الجانب السوري والإيراني، التحرك للجم محور المقاومة في سوريا، وتحديداً في ظل التصعيد الأميركي في وجهه، الأمر الذي جعله أكثر التصاقاً بإيران وحلفائها، سواء في سوريا أو خارجها.
وإذا كانت إسرائيل قد انشغلت في المرحلة الأخيرة بإطلاق التهديدات، بل الإفراط بها، فإن رد الفعل الإيراني كان غير مبالٍ. وفي ظل التطورات المتسارعة واستنفاد الرهانات، وتحديداً ما يتعلق بامتناع واشنطن وموسكو عن مجاراتها، كل لأسبابه، كان على إسرائيل أن تختار بين اتجاهين: إما أن تتراجع، وإما أن تنطلق إلى الأمام. لكن يبدو أن إسرائيل أخطأت تقدير الموقف الإيراني ما قبل الاعتداء في التيفور، الذي كان عاملاً رئيسياً (الخطأ) في بلورة قرارها، فيما يبدو أنها أصابت تقدير الموقف الإيراني في أعقاب تنفيذ الاعتداء، وهو ما عبّر عنه إسرائيلياً الإفراط في التهديدات، وصولاً إلى التهديد بإسقاط النظام في سوريا واستهداف الرئيس بشار الأسد، الخطان الأحمران الروسيان. وهي إشارة واضحة إلى الجدية التي توليها إسرائيل للتهديدات الإيرانية.
تثير المواجهة بين الجانبين، إيران وإسرائيل، جملة أسئلة: هل يأتي الرد تناسبياً أم مفرطاً؟ هل ينطلق الرد من الساحة السورية أم من خارجها؟ هل يفضي إلى رد إسرائيلي مقابل رداً على الرد؟ وهل من شأن التدحرج أن يجرّ الطرفين إلى مواجهة واسعة حتمية؟ المؤكد أن القتال بات أقرب وأكثر احتمالية مما سبق، وفي أي لحظة قد ينشب، دون أن تدرك إسرائيل أو تعرف حدوده.