تونس | من النادر أن تجد بلداً فيه ما يشبه «اتحاد الشغل» في تونس. منظمة نقابيّة في بلد صغير يبلغ عدد أعضائها حوالى 700 ألف، يتركّز أغلبهم في أجهزة الدولة، وينتشرون على امتداد جغرافيتها. هذه القوّة لا تضاهيها قوّة أيّ حزب أو منظّمة أخرى، وهي قادرة بقرار منها أن توقف البلاد، وقادرة كذلك على العكس. لذلك، غالباً لا يتجرأ السياسيّون على مهاجمتها.

لكن قوّة «الاتحاد» لا تأتي فقط من حجمه أو شدّة تنظيمه، بل كذلك من تاريخه الممتد إلى ما قبل الاستقلال (1956)، فيما ترى القيادة الحاليّة للمنظمة أنّها امتداد لأسلافها، وأنّ دفاعها عن القطاع العام، وتجاوز دورها النقابيّ لإضفاء توازن على المشهد العام، هو من صميم «رسالة المنظمة» التي وضعها المؤسسون. لذلك، لا يمكن فهم دور «اتحاد الشغل» ومواقفه بعد الثورة من دون إلقاء الضوء على تاريخه، الذي يعكس بدوره تاريخ الاقتصاد السياسيّ للبلاد.

دروس ما بعد الاستقلال
في انتخابات المجلس التأسيسيّ عام 1956، دخل «اتحاد الشغل»، واتحادا «الصناعة والتجارة» و«الفلاحة» (الزراعة)، مع «الحزب الحر الدستوري الجديد» (حزب بورقيبة) في «جبهة قوميّة»، وفازوا معاً. كان الحبيب بورقيبة خطيباً مقنعاً، ومناوراً جيّداً، يتبنى تصوّرات عن المرأة والمجتمع، لكن لم يكن له برنامج اقتصاديّ. على المقلب الآخر كان «اتحاد الشغل» يحمل برنامجاً اقتصاديّاً، تبناه الرئيس، وبدأت من هناك مسيرة ثلاثة عقود من المدّ والجزر.
بتحالف الطرفين، بدأت ملامح الدولة الجديدة تبرز، كان «اتحاد الشغل» اشتراكيّاً، يرفض الشيوعيّة ويهاجم البرجوازيّة، ولم يكن للحزب الحاكم أيديولوجيا اقتصاديّة، فاقتصرت الصراعات داخله على التوجهات السياسيّة والنزعات الزعاماتيّة.
في تلك الفترة، انتقل أحمد بن صالح من الأمانة العامة للنقابة إلى الحكومة، وصار في بداية الستينات الرجل الأقوى بعد الرئيس، حيث جمع بين كلّ الحقائب الاقتصاديّة لتطبيق «سياسة التعاضد». بموازاة ذلك، غيّر الحزب اسمه إلى «الحزب الاشتراكيّ الدستوريّ»، ونظّر لتطبيق "اشتراكيّة دستوريّة".

قوّة «الاتحاد» لا تأتي فقط من حجمه أو تنظيمه، بل أيضاً من تاريخه


على رغم تطبيق برنامجه الاقتصاديّ والتعليميّ والصحيّ، صار «الاتحاد» في إطار سياسة الوحدة القوميّة الصمّاء التي أقامها بورقيبة على هامش الشأن العام، حتى أنّه تحوّل إلى معارضة «سياسة التعاضد»، وسياسات حكوميّة أخرى سنّها أمينه العام السابق. لم يقف الأمر عند ذلك الحدّ، فعلى أثر سجن قياديين نقابيّين، منتصف الستينات، هرب أحمد التليلي، الأمين العام السابق وأحد أبرز وجوه الحركة الوطنيّة، إلى أوروبا، وكتب إلى بورقيبة رسالة شهيرة احتجّ فيها على غياب الديموقراطيّة ومحاولة تدجين المنظمة النقابيّة.
مع بدء الأزمات، كان بن صالح، الوزير صاحب الماضي النقابيّ، منكباً على توسيع المؤسسات وبناء اقتصاد مخطّط تسيّره الدولة، وعلى رغم كلّ ما قيل عن سياسة الرجل، فقد تأسست خلال فترة حكمه الشركات العموميّة، التي لا يزال التصرّف في ما تبقى منها محلّ تنازع اليوم بين «الاتحاد» والحكومة. لم تبدأ المشكلات الحقيقيّة إلاّ بعد إزاحته نهاية الستينات (ومن ثم اتهامه بالخيانة، وسجنه)، وانطلاق المرحلة الليبراليّة في السبعينات.
لم يكن «الاتحاد» الذي تزامن تنفيذ جزء كبير من برنامجه مع قمعه، بعيداً عن ذلك، فقد كانت محنته القادمة أكبر. وراء «خيرات» ليبراليّة السبعينات التي تحققت وفقها نسب نموّ هي الأعلى في تاريخ البلاد، ولا تزال إلى اليوم تثير «حنين» الخبراء الاقتصاديّين ورجال الأعمال، تخفّت أزمات اقتصاديّة. كان «الازدهار» يشمل كلّ شيء، ما عدا ظروف عيش العمال، خصوصاً في المناطق الداخليّة التي بقيت بعيدة من مراكز التصنيع المعدة للتصدير المنتشرة قرب الموانئ. جاء الانفجار عام 1978، وأعلن «اتحاد الشغل» الاضراب العام، فسجن بورقيبة، مرة أخرى، قيادة النقابة وعلى رأسها الأمين العام الحبيب عاشور، ونصّب وقتيّاً قيادة موالية له، لم تنل في النهاية الشرعيّة اللازمة.
لم تقف الأزمات عند ذلك الحدّ. فعلى وقع الركود الاقتصاديّ العالميّ بداية الثمانينات، اتّبع بورقيبة نصائح «صندوق النقد الدوليّ» وخفّض من دعم المواد الاستهلاكيّة الأساسيّة، فقامت «انتفاضة الخبز» عام 1984. تحركت حينها هياكل «الاتحاد» الوسطى والقاعديّة وأعلنت اضرابات عن العمل، وعلى رغم رفض الحبيب عاشور لها وتعطيله الإضراب العام، حمّله بورقيبة المسؤوليّة، وانتهت حقبة الرجل الذي أراد إقامة توازن يضمن الولاء السياسيّ لبورقيبة في مقابل حريّة نسبيّة للعمل النقابيّ.

حقبة بن علي: «برقرطة» العمل النقابيّ
عقب انقلاب الجنرال زين العابدين بن علي، الذي تزامن مع اشتداد سياسة اللبرلة، وجد «الاتحاد» نفسه تحت قيادة مهادنة (عشريّتين انقسمتا بين إسماعيل السحباني وعبد السلام جراد). لم يكن ذلك وليد الصدفة، فقد هندس بن علي سياسته الخاصّة تجاه النقابة. عرف الرجل أنّه ليحكم البلاد، يجب إرضاء موظفي الدولة، أي الطبقة الوسطى، المكوّن الأساسيّ في جمهور «اتحاد الشغل». بداية التسعينات، وبعد انقشاع غبار المعركة مع الإسلاميّين، طمّن بن علي «التقدميين» على سلامة «النمط المجتمعيّ»، وطلب من ناحية أخرى الاستقرار، وقدّم في المقابل رشاوى اجتماعيّة.
عمل الجنرال على إرضاء النزعة الاستهلاكيّة للطبقة الوسطى، فخلق آليات مثل القروض الاستهلاكيّة والسكنيّة الممددة، والسيارات الشعبيّة، والحواسيب العائليّة. كان للفقراء نصيب أيضاً، إذ خلق الرجل «صناديق تضامن»، وانتزع تبرعات من رجال الأعمال والموظفين والتجار شيّد بها منازل للفقراء، وبعث آليات عمل هشّ وموسميّ، ووزع رخص بيع السجائر والأكشاك على أصحاب الحاجات الخاصة، ووفر مساعدات لبعث مشاريع صغيرة، وشجّع شركات الايجار الماليّ على العمل، وغضّ بصره عن التهريب المعاشيّ. أما الأثرياء، فقد تعاظمت مصالحهم، مع الإعفاءات الضريبيّة واقتطاعهم حصصاً في المؤسسات المخصخصة والصفقات العموميّة. كان لهذه الترتيبات والمساومات والتنازلات دور محوريّ ضمن سياسة نظام بن علي، إلى حدّ وصفها من طرف الباحثة بياتريس إيبو، بأنّها خلقت اعتماداً متبادلاً بين المُهيمن والمهَيمن عليهم يسمح بإعادة انتاج السلطويّة.
«اتحاد الشغل» نفسه لم يكن بعيداً عن ذلك. حصل القياديّون على أراضٍ بأسعار مخفّضة ومهل تسديد ممددة، يضاف إلى ذلك تفاصيل صغيرة أخرى مثل تسجيل معاشات بعض القياديّين على حساب شركات طاقيّة توفّر أجوراً عالية، ومنحهم حظوة في مؤسسات الدولة (توجد أيضا ميكانزمات سيطرة داخل الاتحاد، استخدمتها القيادة المركزيّة لترويض النقابيين «المنفلتين» ومكافئة آخرين. يُراجعُ في هذا الصدد، كتاب الباحثة هالة اليوسفي، بعنوان «الاتحاد العام التونسي للشغل: قصة شغف تونسّية»). لكن الأهمّ من ذلك كلّه هو احتواء العمل النقابيّ في مؤسسات بيروقراطيّة، حيث صارت مفاوضات الترفيع في المعاشات مبرمجة مسبقاً مع الحكومة، فتعقد سنوياً، وتتم ضمن لجان، كما أصبحت الدولة وسيطاً في المفاوضات بين اتحادي «الشغل» و«الأعراف».
صنعت هذه الترتيبات الصورة الورديّة لـ«المعجزة التونسيّة»: نسب نموّ محترمة في مناخ اجتماعيّ سليم داخل بلد سياحيّ منفتح يوازن بين الأصالة والحداثة. لكن تحت الرماد، كانت النار مشتعلة: خنقت القروض الطبقة الوسطى، ووصلت آليات التشغيل الهشّ إلى أقصاها، وارتفع عدد العاطلين من العمل، خصوصاً في صفوف خريجي الجامعات. أخذ الاستياء يعمّ شيئاً فشيئاً، وبعيداً من القيادة، كانت هياكل «اتحاد الشغل» المحليّة التي تعجّ بمناضلين جذريّين، تلعب دور التأطير في أحداث قفصة عام 2008... ومن هناك بدأت الأشياء في التغيّر.

«الاتحاد» والثورة: الهرم معكوساً
لفهم دور «الاتحاد العام التونسيّ للشغل» في الثورة، يجب فصل أدوار قيادة المنظّمة عن الهياكل القاعديّة لها. على رغم كلّ التصفية السياسيّة التي نفذها بن علي، بقي «الاتحاد» أحد المواقع الأخيرة التي يمكن ضمنها ممارسة السياسة، ولو على مستوى مصغّر وضمن حدود مرسومة من النظام نفسه.
منذ بروز «اليسار الجديد»، صار الطلاب اليساريّون يتوجّهون بعد دخولهم الحياة العمليّة من «اتحاد الطلبة» إلى «اتحاد الشغل». بين هاتين المساحتين، كانت السياسة تتلخص في الفوز على مرشحي النظام ضمن النقابات، وتنظيم ندوات وتظاهرات موسميّة حول قضايا قوميّة (فلسطين، غزو العراق، إلخ). لكن المقصود مما سبق هو الإشارة إلى وجود شبكات منتشرة وقادرة على التنسيق والحشد والتحريض، إبّان الثورة. ومثلما يوضح شكري حمد، أستاذ العلوم السياسيّة في «جامعة باريس دوفين»، في مقال حول الثورة التونسيّة: «كي يولد أيّ حراك احتجاجيّ يجب أن يتوافر أشخاص حقيقيّون، وشبكات تواصل وموارد (ماديّة ومزيّة) وظروف مناسبة»، وذلك يخدم لمصلحة «التوسّع الاجتماعيّ للتحرّك، وتمدده إلى خارج الإطار الجغرافيّ الذي انطلق منه». ذلك بالضبط ما حصل، فقد استثمرت شبكات مناضلي «الاتحاد» الاستياء، ونسّقت في ما بينها، ونظّمت احتجاجات، من دون موافقة القيادة البيروقراطيّة، أو بموافقة صامتة منها في أحسن الأحوال.
توسّعت احتجاجات محافظة سيدي بوزيد رويداً رويداً، إلى أن وصلت إلى صفاقس، ثاني أكبر المدن التونسيّة وصاحبة أوسع نسيج صناعيّ، ثمّ إلى العاصمة (توجد طبعاً شبكات أخرى مهمّة، مثل شبكات الطلبة والمدونين والأحزاب المعارضة).

ما بعد الثورة: عودة إلى الجذور
بعد سقوط نظام بن علي، أعاد «اتحاد الشغل» ترتيب بيته الداخليّ. حظي عبد السلام جراد بخروج مشرّف (وتقاعد جيّد ضمن اتحاد عمال المغرب العربيّ، الموجود فقط على الورق)، وبدأت المنظمة في بحث ما تراكم من قضايا على امتداد فترة بن علي. أُدمج عشرات الآلاف من عمال «شركات المناولة» (عمال شركات لوكالات خارجيّة، يعملون موسميّاً بأجور متدنيّة) ضمن مؤسسات الدولة، وتحصّلت قطاعات مهنيّة على منح وامتيازات خاصّة.
وعلى رغم رفض «الاتحاد» التقدم بلوائح انتخابيّة أو المساهمة في العمل الحكوميّ، فإنّه عمل على استعادة دور ضمن المشهد العام، رفضته قواعد «حركة النهضة» بداية وشنّت عليه حملات تشنيع، لكن الأمر تكرّس لاحقاً بلعب «الاتحاد» الدور الرئيسيّ في تنظيم مؤتمر حوار أفرز تنحي حكومة «الترويكا»، وتنصيب حكومة تكنوقراطيّة نظّمت انتخابات عام 2014.

يبقى وجود «الاتحاد» ضمانة لتخفيف وقع ضربات النيوليبراليّة


تعزّز بهذه «الانتصارات» شعار «الاتحاد أقوى قوّة في البلاد» الذي يرفعه النقابيّون في اجتماعاتهم، وتمّ تجسير هوّة استمرت أكثر من عقدين من حكم بن علي، وعاد «الاتحاد» إلى الاضرابات وإلى «دوره الوطنيّ كقوّة توازن» كما تصرّح قياداته دائماً. لكن هذه العودة ترافقت مع صدامات، سبقت فترة حكومة الإسلاميين وحلفائهم، وتستمر الآن مع حكومة يوسف الشاهد.
تقول حكومات «ما بعد بن علي» إنّ التوازنات الماليّة العامة تآكلت، حيث تضاعفت كتلة الأجور، وارتفعت نسبة المديونيّة الداخليّة والخارجيّة إلى نحو 28 مليار دولار (70 في المئة تقريباً من الناتج المحليّ)، مضيفة (بخاصة حكومة يوسف الشاهد) أنّ الحلول تكمن في «إصلاحات كبرى» تشمل تسريح أكبر عدد ممكن من موظفي القطاع العام، رفع سنّ التقاعد، وخصخصة الشركات العموميّة الخاسرة التي تستنزف موارد من الموازنة. في مقابل ذلك، يرى «اتحاد الشغل» أنّ الحكومة راضخة إلى «إملاءات» من «صندوق النقد الدوليّ» وأنّ الحلّ يكمن في إصلاح الشركات العموميّة وليس بيعها، وإدماج الأنشطة غير المنظّمة التي تمثّل ما يقرب من نصف الاقتصاد وتشغّل أكثر من ثلث اليد العاملة (سُنّت قوانين في هذا الاتجاه، لكن يبدو أنّها غير كافية).
بين هذا وذاك، يبدو واضحاً اليوم اقتراب ساعة الحسم التي تأجّلت بفعل ضخّ أموال القروض في الاقتصاد، إذ بدأت مطرقة التقشّف في الدقّ: أوقفت منذ سنتين عمليات الانتداب في القطاع العام، بدأ تنفيذ برنامج «التسريح الاختياريّ» الذي وضعته الحكومة، وسيبدأ البيع في شركات بن علي وعائلته المصادرة، والدور قادم على بقيّة الإجراءات التي لن تكون الخصخصة سوى جزء منها.
وسط كل هذا، وفي ظلّ غياب رؤية وبرنامج اقتصاديّ، كما كانت الحال زمن الاستقلال، لن يكون أمام «الاتحاد» فعل الكثير لإيقاف مدّ عالميّ يتغذّى على مكتسبات دولة الرعاية الاجتماعيّة، لكن يبقى وجوده ضمانة لتخفيف وقع ضربات النيوليبراليّة، ويبقى الفاعل الأهمّ في الحفاظ على التجربة السياسيّة الديموقراطيّة.