من حين لآخر يتعرض «الاتحاد» لانتقادات تقول إنّه يخرج من دائرة دوره الاجتماعيّ ويدخل في السياسة. هل يستقيم ذلك النقد بالنظر لتاريخ هذه المنظمة؟

دعني أتحدث عن المبادئ، وليس لي أن أقول إن كان «الاتحاد» يتدخل في السياسة أو لا حالياً.
حين تأسس «الاتحاد العام التونسيّ للشغل» كان مستقلاً، وبعد الاستقلال كان مستقلاً عن الأحزاب، وكان الحبيب عاشور يؤكد أنّ «الاتحاد» وُلد مستقلاً وسيبقى مستقلاً للأبد.
سياسيّاً، حين يتدخل «الاتحاد»، فإنّ ذلك يصبّ في مصلحة تونس، والدليل تدخله بعد «14 جانفي» حين كانت الأحزاب تتطاحن والبلاد مهددة بحمام دم، فأدار حواراً وطنيّاً أنقذ البلاد، ونال على إثرها جائزة نوبل للسلام لدوره الاستثنائي.
خلال فترة دكتاتورية نظام بن علي، شكّل «الاتحاد» غطاءً سياسيّاً للمعارضين بجميع اتجاهاتهم الأيديولوجية. كان بمثابة فسيفساء سياسية وأيديولوجية.

يُقال إن انتصار «الاتحاد» لبورقيبة خلال معركته مع صالح بن يوسف كان محدداً لمصير تونس الحالية. هل يستقيم هذا القول؟
في تلك الفترة، خلال الاستعمار وانطلاق مفاوضات الاستقلال عن فرنسا في 1955، اعتبر بورقيبة أن الاستقلال الداخليّ خطوة للأمام، في حين اعتبرها صالح بن يوسف خطوة للوراء. و«الاتحاد» في تلك الفترة ساند توجه بورقيبة في تبني المرحليّة وسياسة «خذ وطالب»، وكانت النتيجة في النهاية الاستقلال.

لكن «اتحاد الشغل» نظم مؤتمر صفاقس عام 1955 لمصلحة بورقيبة، وهو ما حسم نهائيّاً المعركة مع بن صالح لمصلحته؟
في تلك الفترة كان بورقيبة غائباً خارج البلاد وكان صالح بن يوسف يدير الأمور في الداخل، كما كانت له علاقات جيدة بالقصر حينها، خصوصاً مع الشاذلي باي الذي كان يطمح لخلافة والده. لكن حين عاد بورقيبة في 1 حزيران/ جوان 1955، استقبلته جماهير غفيرة، بمعنى أنه لم يكن في موقع ضعف جماهيريّاً.
أما عن المؤتمر الذي نظمه «الاتحاد» لبورقيبة في صفاقس فقد تمت دعوة صالح بن يوسف من طرف أحمد بن صالح (الكاتب العام للاتحاد في حينه) الذي نصحه بالحضور للدفاع عن موقفه في المؤتمر، ولكن رد فعل بن يوسف كان الرفض والقول «أنتم هنا لتهددوني بالموت».

هل صحيح أن بورقيبة بعد عودته من الخارج عام 1955، قال للحبيب عاشور نظّم لي مؤتمراً وسأقلب الطاولة على بن يوسف؟
لا، لم يكن الأمر بذلك الشكل. الحقيقة أنّ الحبيب بورقيبة كانت له مشكلة وكان يُسِرُّ للحبيب عاشور وأحمد التليلي وغيرهما من قيادات «الاتحاد» بأنه لا يعرف أين سينظم المؤتمر لأنه متخوف من حدوث شغب، فقال له الحبيب عاشور: «نظّمه في صفاقس وأنا أضمن مؤتمراً من دون أيّ عنف أو تشويش». حمى الحبيب عاشور المؤتمر الذي نُظِّم في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1955 في محافظة صفاقس، ولم يكن هناك منع لمساندي صالح بن يوسف من الدخول مثلاً، وكما قلت فقد تمت دعوة بن يوسف ذاته للحضور ولكنّه رفض، كان بورقيبة يحظى بدعم جماهيريّ كبير مما رجّح الكفة لمصلحته.
ما أقصده هو أنّ «الاتحاد» لم ينتصر لبورقيبة بالشكل الذي يُروّج له، بتنظيم المؤتمر وغيره، على حساب صالح بن يوسف، ونحن كنّا حينها نحترم خلاف الأفكار بينهما.

في ذلك الوقت كيف كانت هيكلة «الاتحاد» وما كان موقع الحبيب عاشور بالضّبط؟
في تلك الفترة، أي عام 1955، كان أحمد بن صالح الكاتب العام للاتحاد العام التونسيّ للشغل، فيما كان الحبيب عاشور حديث الخروج من الإقامة الجبريّة بعد أحداث 5 آب/ أوت 1947 في محافظة صفاقس التي تمثلت في إضراب تدخل على إثره الجيش وفتح النار على المضربين والمعتصمين وتم الحكم على الحبيب عاشور عام 1948 بخمس سنوات سجناً وخمس عشرة سنة للإقامة جبرية في محافظات باجة وزغوان ومن ثمّ في جهة محرس بصفاقس.

المقارنة بين ما يحصل اليوم وبين «انتفاضة الخبز» لا تستوي


وحين عاد أحمد بن صالح من بروكسيل كان أغلب النقابيّين إما في المنفى أو الإقامة الجبريّة، مثل محمود المسعدي والحبيب عاشور وغيرهما. وفي تموز/ جويليه 1954، أي قبل الحصول على الاستقلال الداخليّ، عقد بن صالح مؤتمراً للاتحاد العام التونسيّ للشغل في غياب أغلب القيادات مثل أحمد التليلي والحبيب عاشور، ولكنه استشارهم قبل عقد المؤتمر ووافقوا، وهو ما حصل وتقلد «الكتابة العامة» للاتحاد.
وحين خرج أحمد التليلي والحبيب عاشور من الإقامة الجبريّة في 1955 كان بن صالح لا يزال في الكتابة العامة للاتحاد العام التونسيّ للشغل، ونُظم مؤتمر عام 1956 وتم وضع الحبيب عاشور في آخر القائمة فتأثّر نظراً لكونه من مؤسسي الاتحاد ومن قيادات الصفّ الأول، فانشق عنه وأسس «الاتحاد التونسي للشغل»، وفي الأثناء تمت تنحية أحمد بن صالح من الأمانة العامة بإيعاز من الحبيب بورقيبة، وأصبح أحمد التليلي أميناً عاماً وفي عام 1957 تم توحيد المنظمتين وأصبح الحبيب عاشور أميناً عاماً مساعداً للتليلي وبقي الأمر على تلك الشاكلة إلى حدود عام 1963 حين تقلد عاشور الأمانة العامة.

لماذا انقلب بورقيبة بعدها على الحبيب عاشور الذي سانده في معركته مع بن يوسف؟
في عام 1964 نُظّم مؤتمر «الحزب الدستوريّ» (حزب الحبيب بورقيبة) في محافظة بنزرت، وصادق على لائحة تفيد بأن المنظّمات الوطنيّة بما فيها «الاتحاد» صارت من خلايا الحزب ووُجهت رسالة إلى الحبيب عاشور لإبلاغه بالأمر، وبطبيعة الحال رفض عاشور وتشبّث باستقلالية المنظّمة. وفي 1 أيار/ ماي 1965 ألقى خطاباً لمناسبة «عيد الشغل»، أكد فيه أنّ «الاتحاد» مستقلّ ولن يكون تحت هيمنة حكومة أي حزب سياسي، وبعد شهر تم الزجّ به في السجن ليعود بعد فشل «التجربة التعاضدية» عام 1969، وتولي الهادي نويرة للحكومة، إلى قيادة المنظّمة.

ما الذي يجعل الحبيب عاشور قياديّاً رمزيّاً في «الاتحاد» تفوق رمزيّته بقيّة القيادات؟
الحبيب عاشور هو من كرّس استقلالية الاتحاد العام التونسيّ للشغل عن الحزب الدستوريّ والنظام السياسيّ، كما أنّه أرسى السياسة التعاقديّة وتعديلات كبيرة في «مجلة الشغل» وتركيز نظام التقاعد في القطاع الخاصّ.
تحسنت الأمور إلى حدود 26 كانون الثاني/ جانفي 1978، تاريخ بداية أحداث «الخميس الأسود» التي شهدتها تونس بعد الإضراب الذي أعلنه «الاتحاد» رفضاً لسياسات الدولة وتمت مواجهته بإعلان حالة الطوارئ، وقد تمت إحالتي بصفتي عضواً في المكتب التنفيذي للاتحاد، رفقة الحبيب عاشور وغيرنا من القيادات، على محكمة أمن الدولة.

يُقال إن لك دوراً حين كنت ممسكاً بقسم العلاقات الدوليّة في «الاتحاد»، لناحية تدويل قضيّة فلسطين في النقابات الدوليّة؟
نعم، لقد قمنا في هذا الصدد بعمل جبّار، ففي عام 1974 مثلاً كانت «منظمة العمل الدوليّة» ترفض الحديث أو النظر في قضيّة فلسطين، وتعتبر أن إطار الملف الوحيد هو الأمم المتحدة، وقمنا بالضّغط داخليّاً مما أسفر عن التنديد بسياسات إسرائيل، وانسحبت على إثره الولايات المتحدة الأميركيّة من المنظّمة. وفرضنا كذلك في 1975 حضور «منظمة التحرير الفلسطينيّة» كمراقب، وفتحنا «الاتحاد» على الشرق والمنظمات الاشتراكية والشيوعية وغيرها، وكانت لنا علاقات مع الجميع.

هل صحيح أنّ المؤشرات الحاليّة في البلاد (توجهات عامة للحكومة للبيع في مؤسسات عموميّة ورفع الدعم ومعارضة «الاتحاد» لذلك)، تحيل على أزمة 1985 بين «الاتحاد» وحكومة محمد مزالي؟
في رأيي هناك خلاف بين الأطراف المتداخلة حول كيفية الإصلاح، فـ«الاتحاد» يدفع للنظر في وضعيّة كل مؤسسة عموميّة وإصلاحها كما أنّه لا يعترض على إصلاح منظومة الصناديق الاجتماعية مما يجعل المقارنة بين ما يحصل اليوم وأزمة 1985 لا تستوي باعتبار أنّ الأمور وما ستؤول إليه غير واضحة إلى الآن.
لكن لا أعتقد أنّ الأمور يمكن أن تؤول الى ما حصل في عام 1985 أو ما يُعرف بـ«انتفاضة الخبز» ومعارضة «الاتحاد» لسياسات الدولة العامة، حيث كان رد فعل الوزير الأول محمد مزالي قوياً جداً خلال المواجهة مع الاتحاد العام التونسي للشغل حينها، فقد زجّ بالقيادات وعلى رأسها الحبيب عاشور في السجون ونصّب قيادة جديدة واستولى على مقرّات المنظّمة في جهات البلاد.