تصر إسرائيل على الترويج لسردية تقدّم فيها إيران كما لو أنها هي التي بادرت إلى خطوات هجومية ضد إسرائيل، عبر ارسال طائرة مسيّرة تنفيذية إلى عمقها الداخلي. وتهدف من وراء ذلك إلى الايحاء بأنّ اعتداءها على مطار «تي فور» ضد «الحرس الثوري»، كان من موقع رد الفعل. ومع ذلك تصر أيضاً على عدم الاعتراف الرسمي بالغارة التي أدت الى استشهاد ضباط وعناصر من «الحرس». في موازاة ذلك، يؤكد كبار القادة الإسرائيليين، وتحديداً رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الأمن أفيغدور ليبرمان، على أنّ وجود الجيش الروسي لن يحول دون استهداف النظام السوري رداً على أي رد إيراني على الاعتداء الإسرائيلي، الذي تقدر تل أبيب أنه بات أمراً محسوماً، وعلى ضرورة أن يشعر الرئيس بشار الأسد بالخطر على نظامه نتيجة سماحه لإيران وحلفائها بالتمركز في الساحة السورية.

ينبغي التعامل مع الترويج لهذه الروايات والمواقف، على أنها أجزاء متعددة، لكنها مترابطة لجهة كونها جزءاً من خطة مدروسة باتجاه تحقيق أكثر من هدف في آن. من هذه الأهداف ما يتعلق بالداخل الإسرائيلي، ومنها ما يتعلق بالداخل السوري والاقليمي والدولي، وأخرى تتصل بصورة الردع التي تتطلب خطاباً توثّبياً، بهدف الإيحاء أنّه لا يوجد ما يكبح إسرائيل عن أي خطوات عملانية عندما يتعلق الأمر بأمنها القومي.
إصرار إسرائيل على الرواية التي تقدمها في موقع من يدافع «استباقياً»، هو أمر على غاية من الأهمية بالنسبة لقيادتها، كونه يضفي على مغامراتها العسكرية مشروعية داخلية، بأن تبدو أمام جمهورها أن لم يكن أمامها سوى المبادرة والاستهداف المباشر. ضمن هذا الإطار، يأتي كلام نتنياهو الذي أعقب الاعتداء على مطار «تي فور»، عن أن إسرائيل ستبادر إلى قتل من يريد أن يقتلها. والغاية الأساسية من هذا التسلسل الذي ترويه إسرائيل بأن نقطة بداية الأحداث تتمثل بإرسال إيران طائرة مسيّرة هجومية إلى الداخل الفلسطيني، أن لا تتحمل القيادة الإسرائيلية المسؤولية إزاء أي خسائر قد تلحق بها، في حال حصول تطورات ميدانية متدحرجة، انطلاقاً من أنه لم يكن أمامها سوى خيار الهجوم الدفاعي. وعادة ما يلتف الجمهور الإسرائيلي حول قيادتَيه السياسية والعسكرية عندما يقتنع برواية أنه لم يكن أمام تل أبيب خيارات بديلة. ولهذه الغاية، تعمد إسرائيل على وضع الكثير من اعتداءاتها كما لو أنها ضمن الاستراتيجية الاستباقية.
على هذه الخلفية، أتى اعلان الجيش الإسرائيلي، بعد نحو شهرين من الحادثة أن الطائرة الإيرانية من دون طيار التي تقول إنها اسقطتها، كانت مسلّحة للإيحاء بأنها كانت في مهمة تنفيذية. وتتعارض هذه الرواية بالمطلق مع الاستراتيجية الإيرانية التي تركّز في هذه المرحلة على مواجهة الجماعات الإرهابية، وتجنّب أي توسيع لنطاق القتال خارج الأراضي السورية. ويكمن عنصر الاستبعاد القطعي في ادعاء إسرائيل أنّ الطائرة المفترضة كانت تهدف إلى توجيه ضربة عسكرية في العمق الإسرائيلي، ومن المسلّم به أن أداء إيران وحلفائها العملاني يتركز على الردع والدفاع في مواجهة إسرائيل، على الساحة السورية، وبالتالي لو افترضنا أن إيران أرسلت طائرة من دون طيار، فهو بالتأكيد رسالة مضادة في مواجهة التهديدات والرسائل الإسرائيلية الابتدائية.
إلى ذلك، يسعى الإسرائيلي إلى إعادة تشكيل الصورة المتشكلة في الوعي السوري العام حول دور حلفاء سوريا في مساعدة الجيش في مواجهة الإرهاب. وتحاول إسرائيل قلب الوقائع التي ترسخت خلال السنوات السبع الماضية بأن تحالفات سوريا الإقليمية هي التي عززت قدرتها على مواجهة التحديات والتهديدات. وتحاول الترويج لفكرة أن تعزيز القدرات العسكرية والصاروخية هو سبب للتدهور الأمني وليس سبباً لتعزيز القدرات الردعية والدفاعية ضد إسرائيل وفي مواجهة أي تهديد خارجي آخر. وهو بعض ما انطوى عليه كلام نتنياهو، خلال جلسة الحكومة وفي البيان الصادر عن مكتبه، حول ضرورة أن يكون واضحاً للرئيس الأسد أن سماحه لإيران وحلفائها، بالتمركز في سوريا، سيعرضها للخطر. ويتجاهل نتنياهو بذلك، حجم التضحيات والدور الذي قدمه حلفاء سوريا في التصدي ومواجهة الإرهاب الذي كان يتهدد سوريا والمنطقة.
بعبارة أخرى يسعى الإسرائيلي إلى الترويج لمقولة أن تحالفات سوريا وامتلاكها للقدرات العسكرية والصاروخية التي تمكّنها من الدفاع عن نفسها في مواجهة إسرائيل وأي عدوان خارجي، سيدفع إسرائيل إلى مهاجمتها، وبالتالي فالبديل الذي يطرحه الإسرائيلي بأن تتخلى سوريا عن تحالفاتها التي مكنتها من الانتصار على الإرهاب وفي مواجهة العدوان الثلاثي، وأن تتجرد من كافة عناصر القدرات الدفاعية والردعية، وفي المقابل تتعهد إسرائيل بأن لا تهاجم أي أهداف في سوريا، والمفهوم نفسه ينسحب على لبنان وفلسطين وأي منطقة أخرى!
على خط مواز، يهدف الإسرائيلي أيضاً الى محاولة دق إسفين بين إيران وروسيا، عبر القول إن السياسة الإيرانية على الساحة السورية قد تؤدي إلى مواجهة عسكرية واسعة مع إسرائيل، وهو ما يتعارض مع أولويات روسيا، بل وتهديد كل الإنجازات التي حققها الروسي بالتحالف مع محور المقاومة.
ليس بعيداً من الخطاب التهويلي والدعائي الإسرائيلي، أتت مواقف أفيغدور ليبرمان، بالتأكيد أنه «من غير الممكن أن تقيّد روسيا إسرائيل عندما يتعلق الأمر بمصالحها الأمنية»، مكرراً في الوقت نفسه إنكاره الاعتراف الرسمي بأن تكون إسرائيل هي التي قتلت عناصر الحرس الثوري، ومشدداً على الموقف الإسرائيلي لما تسميه منع التمركز الإيراني في سوريا. خصوصية هذا الموقف، أنه يأتي بعد العدوان الثلاثي الذي خيَّب آمال ورهانات تل أبيب، ورفع مستويات القلق لدى المؤسسة الأمنية، خاصة وأنه كشف عن مفاعيل القدرات الردعية لتحالف محور المقاومة مع روسيا. في ضوء ذلك، تخشى إسرائيل من أن تشجع نتائج العدوان محور المقاومة على رفع مستوى التحدي في مواجهة إسرائيل ردّاً على اعتداءاتها. ولذلك حاول ليبرمان أن يبدد الانطباع المتشكل حول الاحتضان الروسي للدولة السورية، لجهة امكانية أن يفرض على تل أبيب خطوطاً حمراء في اعتداءاتها الابتدائية وردود فعلها.
وهكذا يتضح بأن الخطاب السياسي والإعلامي والتهويلي الذي تعتمده إسرائيل، يتمحور حول محاولة احتواء مفاعيل العدوان الثلاثي الذي لم ينعكس إيجاباً على مكانتها الاستراتيجية بل كشف وعزَّز قدرة ردع محور المقاومة. ويحاول هذا الخطاب الترويج لمفهوم مزور بأن إيران وحلفاءها يدفعون نحو حرب لا تتلاءم مع استراتيجيتهم على الساحتين السورية والإقليمية، ويقدم إسرائيل التي بادرت للاعتداء في مطار «تي فور»، كما لو أنها تدافع عن نفسها، والسبب أنهم يحاولون تعزيز قدراتهم الدفاعية والردعية.