في وقت كان فيه وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، أمس، يكيل الاتهامات لصنعاء، مُحمِّلاً إياها المسؤولية عن عرقلة الحل السياسي في اليمن، أدلى المبعوث الدولي الجديد بشهادة مغايرة، أكد فيها أمام مجلس الأمن أنه سمع من حركة «أنصار الله» استعدادها للتعاون مع الأمم المتحدة من أجل إنهاء الحرب. وقال مارتن غريفيث، في أول إحاطة له حول الملف اليمني قدمها إلى مجلس الأمن بعد مباشرة جولاته على الأطراف، إن موقف «أنصار الله» كرّره عدد من قيادات الحركة الذين التقى بهم في صنعاء، مضيفاً: «أنا سعدت بهذا الموقف البناء». وقال غريفيث إنه سمع مواقف مشابهة أبدت الاستعداد للتعاون مع جهود الأمم المتحدة من أطراف سياسية أخرى، لكنه لم يأتِ على ذكر هذه الجهات.

وتحدث غريفيث عن رسالة حملها في جعبته للجهات التي التقاها في اليمن والخارج، تقوم على إحياء العملية التفاوضية واستئناف الحوار بهدف التوصل إلى تسوية سياسية. وكشف الوسيط الدولي أنه يعتزم عرض إطار عمل أمام مجلس الأمن لإجراء مفاوضات خلال شهرين. ورأى أن العمل يجب أن ينقسم إلى مرحلتين، هما إيقاف الحرب وبناء السلام، مشيراً إلى أن «إيقاف الحرب» لا يكفي لـ«بناء السلام»، مشدداً على ضرورة التطلع إلى «جدول أعمال انتقالي» يتضمن «المصالحة، مراجعة الدستور، إعادة الإعمار، وإعادة بناء مؤسسات الدولة».
المبعوث الأممي بدا متفائلاً ومليئاً بالنشاط، ومحافظاً على توازن بين الأطراف في تصريحاته التي ضمّنها مواقف إنسانية. توازن سيحتاج إليه الرجل لتبديد الصورة السلبية التي ارتسمت حول سلفه إسماعيل ولد الشيخ أحمد، الذي اتهمته صنعاء بالانحياز إلى صف الرياض. لكن، مع ذلك، بقي غريفيث ملتزماً تعريفات مجلس الأمن للصراع على أنه صراع يمني ـ يمني، وهو ما تتحفظ عليه القوى اليمنية في صنعاء، التي ترى أن الصراع صراع دولي، وحرب خارجية بين اليمن من جهة، والسعودية والإمارات من الجهة المعتدية. وأعرب غريفيث عن قلقه من الصواريخ الباليستية التي تستهدف الرياض، والعمليات العسكرية في صعدة، على السواء. وطالب بفتح مطار صنعاء، محذراً من معلومات «غير مؤكدة» عن عمليات تحشيد عسكري في الحديدة قد تزيد من حدة الصراع، داعياً كذلك إلى عدم تجاهل القضية الجنوبية. وطالب مبعوث الأمم المتحدة جميع الأطراف بـ«التخلي عن الشروط المسبقة»، ومنح مكتبه التسهيلات «للوصول من دون عوائق ومن دون شروط إلى كل الأطراف المعنية». وكان غريفيث قد مكث في صنعاء ثمانية أيام، التقى خلالها قائد حركة «أنصار الله»، عبد الملك الحوثي، فيما ألغى، بنحو مفاجئ، جولة وعد بها على المناطق الجنوبية الخاضعة لسيطرة التحالف السعودي ـ الإماراتي، خصوصاً مدينتَي المكلا وعدن، واستعاض عن الجولة بلقاءات في مسقط وأبو ظبي والرياض.
الإيجابية، ولو النسبية، التي تحلى بها المبعوث الجديد، قابلتها «أنصار الله» بإيجابية أيضاً، من دون أن تغفل تحفظات لها على مواقف غريفيث، سجّلها رئيس «اللجنة الثورية العليا»، محمد علي الحوثي. الأخير رأى أن إحاطة المبعوث الدولي «إيجابية»، لكنه انتقد عدم تطرق غريفيث «لدول العدوان التي شنت الحرب وما زالت تصعّدها»، وأبدى تحفّظه على «مدة الإطار التفاوضي»، معتبراً أنها «فرصة لاستمرار الآثار المدمرة على الشعب اليمني بالحصار وقطع الرواتب وارتكاب العدوان مجازره يومياً»، وهو أمر رأت فيه أوساط سياسية في صنعاء تبييتاً لمشروع يستهدف تكريس قوى جديدة في المعادلة، بينها الميليشيات التابعة لفريق الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، بقيادة طارق صالح، والتي تستعد للانخراط في الصراع.
‏الرد اليمني، الأول من نوعه على المبعوث الجديد، يكشف عن حقيقة ما يدور في كواليس ملف المفاوضات. إذ إن التفاؤل ليس بالقدر نفسه الذي توحي به المواقف العلنية للوسيط الدولي. هذا ما يؤكده مصدر مطلع على مشاورات غريفيث في مسقط وصنعاء. ويؤكد المصدر أن أداء المبعوث الجديد في جولاته التي خاضها في صنعاء ومسقط كان «سيئاً جداً». فغريفيث، بحسب المصدر، لا يقدم سوى «أفكار مطاطة»، يغفل فيها ملفات أساسية بالنسبة إلى صنعاء من بينها «مصير الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي، والقوات الأجنبية في اليمن، والترتيبات في الجنوب». ويخلص المصدر، في حديث إلى «الأخبار»، إلى «عدم التفاؤل من غريفيث حتى الآن»، وإزاء الأفكار التي يطرحها الوسيط الأممي، والتي لا تصب إلا في خانة «الرؤية البريطانية» لليمن، التي تعزز مشروع التقسيم، خصوصاً في الجنوب. وفي هذا الإطار، يوضح المصدر أن أفكار غريفيث «تتضمن إبقاء هادي في السلطة وتقسيم اليمن»، وهو لم يطرح موضوع هادي فحسب، «بل أشاد به» في جلساته، مضيفاً أن تلك الأفكار مؤدّاها تكريس «الواقع المفروض» في الجنوب، و«إتاحة المجال أمام استمرار العدوان».



الطائرات المسيَّرة تضرب من جديد
نفذت القوات اليمنية عملية نوعية ضد القوات الإماراتية الموجودة في الساحل الغربي. وقال مصدر عسكري إن العملية نفذتها «القوة الصاروخية» بمشاركة طائرات مسيَّرة، واستهدفت «منظومة باتريوت إماراتية وتجمعاً للغزاة بينهم إماراتيون». وكانت القوات قد نفذت هجوماً بطائرة مسيَّرة، قبل أيام، على مطار أبها السعودي، ما أدى إلى تعطل العمل في المطار. وحذّر المتحدث باسم «التحالف»، تركي المالكي، من الرد على القوت اليمنية إن كررت مجدداً استخدام طائرات من دون طيار ضد السعودية. وزعم أن إيران هي التي تقوم بتصنيع هذه الطائرات. وهدد بأنه إذا تكرر استخدام هذه الطائرات «لاستهداف مواقع مدنية، فإن الرد سيكون قاسياً». في غضون ذلك، فجّر رئيس «اللجنة الثورية العليا»، محمد علي الحوثي، مفاجأة من العيار الثقيل، في تغريدة له على حسابه في «تويتر»، كشف فيها عن وجود وثائق ستُقدمّ للرأي العام، تميط اللثام عن هوية المسؤول عن اغتيال الرئيس اليمني الأسبق إبراهيم الحمدي (1977)، القضية الأكثر غموضاً في التاريخ السياسي الحديث لليمن.